Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ٢/ ٩٥

وَقَد رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا (١).

فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَن أَبَاحَ الشبابة (٢)، لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الشبابة حَرَامٌ.

وَلَمْ يَتَنَازَعْ فِيهَا مِن أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا مُتَاخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّين مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَهُم ذَكَرُوا فِيهَا وَجْهَيْنِ.

وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ -وَهُم أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ- فَقَطَعُوا بِالتَّحْرِيمِ كَمَا قَطَعَ بِهِ سَائِر الْمَذَاهِبِ.

وَآلَاتُ الْمَلَاهِي لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا وَلَا الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

فَهَذَا الْحَدِيث إنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى إبَاحَةِ الشبابة، بَل هُوَ عَلَى النَّهْيِ عَنْهَا. أَوْلَى مِن وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الاِسْتِمَاعُ لَا السَّمَاعُ، فَالرَّجُلُ لَو يَسْمَعُ الْكُفْرَ وَالْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالْغِنَاءَ والشبابة مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ بَل كَانَ مُجْتَازًا بِطَرِيق فَسَمِعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

وَلَو جَلَسَ وَاسْتَمَعَ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ لَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِهِ: كَانَ آثِمًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا سَدَّ النَّبِيُّ ﷺ أُذُنَيْهِ مُبَالَغَة فِي التَّحَفُّظِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَصْلًا، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الاِمْتِنَاعَ مِن أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ مِن السَّمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُن فِي السَّمَاعِ إثْمٌ.

وَلَو كَانَ الصَّوْتُ مُبَاحًا: لَمَا كَانَ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَن سَمَاعِ الْمُبَاحِ.