Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية هل حكم الحاكم يرفع الخلاف؟ وواجب الحكام تجاه اختلاف المسلمين والعلماء

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ٥/ ٢٧٣

الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُن فِي أمّتي أَحَدٌ فَعُمَرُ" (١)، وَمَعَ هَذَا فَمَا كَانَ يُلْزِمُ أَحَدًا بِقَوْلِهِ، وَلَا يَحْكُمُ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ؛ بَل كَانَ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ ويُرَاجَعُ (٢)؛ فَتَارَةً يَقُولُ قَوْلًا فَتَرُدُّهُ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَيَرْجِعُ إلَيْهَا .. وَقَالَ: امْرَأَة أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ.

وَكَانَ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ مِثْل مَسائِلِ الْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ يَرَى رَأْيًا، وَيرَى عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَأْيًا، وَيَرَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَأْيًا، وَيرَى زيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَأْيًا، فَلَمْ يُلْزِمْ أَحَدًا أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ؛ بَل كُلٌّ مِنْهُم يُفْتِي بِقَوْلِهِ، وَعُمَرُ ﵁ إمَامُ الْأُمَّةِ كُلُّهَا وَأَعْلَمُهُم وأدينهم وَأَفْضَلُهُمْ، فَكَيْفَ يَكونُ وَاحِدٌ مِن الْحُكَّامِ خَيْرًا مِن عُمَرَ!!

وَاللهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ وَاحِدٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا الظَّالِمُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ؛ بَل أَمَرَ بِحُكْمَيْنِ، وَأَلَا يَكُونَا مُتَّهَمَيْنِ؛ بَل حَكَمًا مِن أَهْلِ الرَّجُلِ وَحَكَمًا مِن أَهْلِ الْمَرْأَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أَيْ: الْحَكَمَيْنِ، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أَيْ: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

فَإِنْ رَأَيَا الْمَصْلَحَةَ أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ جَمَعَا، وَإِن رَأَيَا الْمَصْلَحَةَ أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا فَرَّقَا.

فَهُنَا لَمَّا اشْتَبَهَ الْحَقُّ لَمْ يَجْعَل اللهُ الْحُكْمَ لِوَاحِد، وَهُوَ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ