Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية هل حكم الحاكم يرفع الخلاف؟ وواجب الحكام تجاه اختلاف المسلمين والعلماء

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ٥/ ٢٧١

وَالْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ لَا يُغَطَّى؛ بَل يُظْهَرُ، فَإِنْ ظَهَرَ رَجَعَ الْجَمِيعُ إلَيْهِ، وَإِن لَمْ يَظْهَرْ سَكَتَ هَذَا عَن هَذَا، وَسَكَتَ هَذَا عَن هَذَا.

وَعَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُم مِن التَّظَالُم، فَإِذَا تَعَدَّى بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ مَنَعُوهُم الْعُدْوَانَ، وَهُم قَد أُلْزِمُوا بِمَنْعِ ظُلْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنْ يَكونَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي بِلَادِهِمْ إذَا قَامَ بِالشُّرُوطِ الْمَشْرُوطَةِ عَلَيْهِم لَا يُلْزِمُهُ أَحَدٌ بتَرْكِ دِينِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ دِينَهُ يُوجِبُ الْعَذَابَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يُمَكِّنُوا طَوَائِفَ الْمُسْلِمِينَ مِن اعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؟ وَحُكْمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِقَولِهِ وَمَذْهَبِهِ؟

هَذَا مِمَّا يُوجِبُ تَغَيُّرَ الدُّوَلِ وَانْتِقَاضِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلْعِبَادِ عَلَى مِثْل هَذَا.

وَهَذَا إذَا كَانَ الْحُكَّامُ قَد حَكَمُوا فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا اجْتِهَادٌ وَنِزَاعُ مَعْرُوفٌ.

فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ الَّذِي قَد حَكَمُوا بِهِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا هُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّتِهِم الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا فِيهِ آيَةٌ مِن كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ بَل قَوْلُهُم يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ: فَكَيْفَ يَحِلُّ مَعَ هَذَا أَنْ يُلْزَمَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِاتِّبَاعِ هَذَا الْقَوْلِ، وَينْفُذُ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ لَا يُقَالُ وَلَا يُفْتَى بِهِ؛ بَل يُعَاقَبُ ويُؤْذَى مَن أَفْتَى بِهِ وَمَن تَكَلَّمَ بِهِ وَغَيْرُهُم، ويُؤْذَى الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِكَوْنِهِم اتَّبَعُوا مَا عَلِمُوهُ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِن كَانَ قَد خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِمْ؟

وَهُمْ (١) يَعْذِرُونَ مَن خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا يُلْزِمُونَ بِاتِّبَاعِهِمْ، وَلَا يَعْتَدُونَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُعَانُ مَن لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ؛ بَل يُحْكَمُ بِالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، وَيُلْزَمُ مَن