تقريب فتاوى ابن تيمية
الْمَسَاكِنِ وَالطُّرُقَاتِ إلَّا بِمَا يَزْجُرُهُم فِي قَطْعِ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَزْجُرُهُم أَنْ يَحْلِفَ كُلٌّ مِنْهُم؛ وَلهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ لِأَخْذِ الْمَالِ يُقْتَل حَتْمًا وَقَتْلُهُ حَدٌّ للهِ، وَلَيْسَ قَتْلُهُ مُفَوَّضًا إلَى أَوْليَاءِ الْمَقْتُولِ.
قَالُوا: لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ لِغَرَضٍ خَاصٍّ مَعَهُ (١)، إنَّمَا قَتَلَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذَا الْمَقْتُولِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَقَتْلُهُ مَصلَحَةٌ عَامَّةٌ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ السَّارِقُ لَيْسَ غَرَضُهُ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا غَرَضُة أَخْذُ مَالِ هَذَا وَمَالِ هَذَا، كَذَلِكَ كَانَ قَطْعُة حَقًّا وَاجِبًا للهِ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ؛ بَل رَبُّ الْمَالِ يَأُخُذُ مَالَهُ وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، حَتَّى لَو قَالَ صَاحِب الْمَالِ: أَنَا أُعْطِيهِ مَالِي لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ، كَمَا قَالَ صَفْوَانُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَنَا أَهَبُهُ رِدَائِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَهَلَّا فَعَلْت قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ".
وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا: مَن ظَهَرَ عِنْدَهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْضَارُهُ؛ كَالْمَدِينِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ وَأَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ، وَكَمَنَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا ظَهَرَ كَذِبُهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ، لَكِنْ يُضْرَبُ حَتَّى يُحْضِرَ الْمَالَ الَّذِي يَجِبُ إحْضَارُهُ، أَو يُعَرِّفُ مَكَانَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَامَ خَيْبَرٍ فِي عَمِّ حيي بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَالَحَهُم عَلَى أَنَّ لَهُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَقَالَ لِهَذَا الرَّجُلِ: "أَيْنَ كنْزُ حيي بْنِ أَخْطَبَ؟ "، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ: "الْمَالُ كثِيرٌ وَالْعَهْدُ أَحْدَثُ مِن هَذَا"، ثُمَّ قَالَ: "دُونَك هَذَا"، فَمَسَّهُ بِشَيْء مِن الْعَذَابِ فَدَلَّهُم عَلَيْهِ فِي خَرِبَةٍ هُنَاكَ (٢).
فَهَذَا لَمَّا قَالَ أذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، وَالْعَادَةُ تكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ: لَمْ