Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية كتاب الجهاد

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ٤/ ١٦

النَّبِيِّ ﷺ: "مَن قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَقَالَ: "مَن تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).

وَكَذَلِكَ الشُّرُوعُ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ، فَإِنَ الْمسْلِمِينَ إذَا صافوا عَدُوًّا أَو حَاصَرُوا حِصْنًا لَيْسَ لَهُم الِانْصِرَاف عَنْهُ حَتَّى يَفْتَحُوه، وَلذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ" (٢).

فَالْمُرْصَدُونَ لِلْعِلْمِ عَلَيْهِم لِلْأُمَّةِ حِفْظُ عِلْمِ الدِّينِ وَتَبْلِيغُهُ، فَإِذَا لَمْ يُبَلِّغوهُم عِلْمَ الدِّينِ أَو ضَيَّعُوا حِفْظَهُ: كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فَإِنَّ ضَرَرَ كِتْمَانِهِمْ تَعَدَّى إلَى الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا؛ فَلَعَنَهُم اللَّاعِنُونَ حَتَّى الْبَهَائِمُ.

كَمَا أَنَّ مُعَلّمَ الْخَيْرِ يُصَلّي عَلَيْهِ اللهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ.

وَكَذَلِكَ كَذِبُهُم فِي الْعِلْمِ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَكَذَلِكَ إظْهَارُهُم لِلْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ الَّتِي تَمْنَعُ الثّقَةَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَتَصْرِفُ الْقُلُوبَ عَن اتِّبَاعِهِمْ وَتَقْتَضِي مُتَابَعَةَ النَّاسِ لَهُم فِيهَا: هِيَ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَيسْتَحِقُّونَ مِن الذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَن أَظْهَرَ الْكَذِبَ وَالْمَعَاصِيَ وَالْبِدَعَ مِن غَيْرِهِمْ.

فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ.

٣٣٦٤ - الْهَجْرُ الشَّرْعِيُّ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّرْكِ لِلْمُنْكَرَاتِ.

وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا.