تقريب فتاوى ابن تيمية
٣٠٨٩ - قَالَ أَحْمَد: أَصَحُّ شَيءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَافِعٍ، وَذَكَرَ أحَادِيثَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" (١): ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: يُفْطِرُ الْمَحْجُومُ دُونَ الْحَاجِمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفْطِرُ الْمَحْجُومُ الَّذِي يَحْتَجِمُ وَيخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ، وَلَا يُفْطِرُ بِالِافْتِصَادِ وَنَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لَا يُسَمَّى احْتِجَامًا.
وَالرابع (٢): وَهُوَ الصَّوَابُ (٣) وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمُظَفَّرِ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرُ الْعَالِمُ الْعَادِلُ وَغَيْرُهُ أنَّه يُفْطِرُ بِالْحِجَامَةِ وَالْفِصَادِ (٤) وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ لِأنَّ الْمَعْنَى الْمَوْجُودَ فِي الْحِجَامَةِ مَوْجُودٌ فِي الْفِصَادِ شَرْعًا وَطَبْعًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَرَادَ إخْرَاجَ الدَّمِ أَفْطَرَ، كَمَا أنَّه بِأَيِّ وَجْهٍ أخْرَجَ الْقَيْءَ أَفْطَرَ، سَوَاءٌ جَذَبَ الْقَيْءَ بِإِدْخَالِ يَدِهِ، أَو بِشَمِّ مَا يُقَيِّئُهُ، أَو وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ بَطْنِهِ وَاسْتَخْرَجَ الْقَيْءَ فَتِلْكَ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الْقَيْءِ، وَهَذِهِ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الدَّمِ.
وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَإِنَّهُ يَجْتَذِبُ الْهَوَاءَ الَّذِي فِي الْقَارُورةِ بِامْتِصَاصِهِ، وَالْهَوَاءُ يَجْتَذِبُ مَا فِيهَا مِنَ الدَّمِ، فَرُبَّمَا صَعِدَ مَعَ الْهَوَاءِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ وَدَخَلَ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَالْحِكْمَةُ إذَا كَانَت خَفِيَّةً أَو مُنْتَشِرَةً عُلِّقَ الْحكْمُ بِالْمَظِنَّةِ، كَمَا