تقريب فتاوى ابن تيمية
وَالْمَعْلُومُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى خِلَافِهِ (١)، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِن عُلَمَاءِ أَصْحَابِ أَحْمَد، كَانَ بَعْضُهُم يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ بَرِيدٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجوزُ الْقَوْلُ بِخِلَافِهِ لِمَن تَبَيَّنَ السُّنَّةَ وَتَدَبَّرَهَا، فَإِنَّ مَن تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَسِيَاقَهَا عَلِمَ عِلْمًا يَقِينا أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أَهْلِ مَكةَ وَغَيْرِهِمْ صَلَّوْا بِصَلَاتِهِ قَصْرًا وَجَمْعًا وَلَمْ يَفْعَلُوا خِلَافَ ذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بِعَرَفَةَ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ كَمَا قَصَرَ لِلسَّفَرِ؛ بَل لِاشْتِغَالِهِ بِاتِّصَالِ الْوُقُوفِ عَن النُّزُولِ، وَلِاشْتِغَالِهِ بِالْمَسِيرِ إلَى مُزْدَلِفَةَ.
وَكَانَ جَمْعُ عَرَفَةَ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ، وَجَمْعُ مُزْدَلِفَةَ لِأَجْلِ السَّيْرِ الَّذِي جَدَّ فِيهِ، وَهُوَ سَيْرُهُ إلَى مُزْدَلِفَةَ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ فِي سَفَرِهِ: كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا كَمَا فَعَلَ بمزدلفة.
وَأَمَّا "الْقَصْرُ" فَلَا ريبَ أَنَّهُ مِن خَصَائِصِ السَّفَرِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَه بِالنُّسُكِ، وَلَا مُسَوِّغَ لِقَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنَّهُم بِسَفَر، وَعَرَفَةُ عَنِ الْمَسْجِدِ بَرِيدٌ.
وَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ سَفَرِ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ، وَبَيْنَ سَفَرِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِن بِلَادِهِمْ؟ (٢).