تقريب فتاوى ابن تيمية
آمَنْت وَلَك أَسْلَمْت، خَشَعَ لَك سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَقْلِي وَعَصَبِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ".
فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْخشُوعِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الرَّاكِعَ سَاكِنٌ مُتَوَاضِعٌ، وَبِذَلِكَ فُسِّرَت الْآيَةُ.
وإِذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبًا وَهُوَ مُتَضَمِّن لِلسُّكُونِ: فَمَن نَقَرَ نَقْرَ الْغُرَابِ لَمْ يَخْشَعْ فِي سُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ مَن لَمْ يَرْفَعْ رَأسَهُ مِن الرُّكُوعِ وَيَسْتَقِرَّ قَبْلَ أَنْ يَنْخَفِضَ لَمْ يَسْكُنْ؛ لِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الطُّمَأْنينَةُ بِعَيْنِهَا.
فَمَن لَمْ يَطْمَئِنَّ لَمْ يَسْكُنْ، وَمَن لَمْ يَسْكُنْ لَمْ يَخْشَعْ فِي رُكُوعِهِ وَلَا فِي سُجُودِهِ، وَمَن لَمْ يَخْشَعْ: كَانَ آثِمًا عَاصِيًا، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ (١).
فَإِنَّ السُّكُونَ فِيهَا يَكُونُ بِحَرَكَةٍ مُعْتَدِلَةٍ لَا سَرِيعَةٍ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَشْي إلَيْهَا وَهِيَ حَرَكَة إلَيْهَا، فَكيْفَ بِالْحَرَكَةِ فِيهَا؛ فَقَالَ: "إذَا أتيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتَوهَا تَسْعَوْنَ وائتوها وَعَلَيْكُم السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا".
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد أَمَرَ بِالسَّكِينَةِ حَالَ الذَّهَابِ إلَى الصَّلَاةِ، وَنَهَى عَن السَّعْيِ الَّذِي هُوَ إسرَاعٌ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلصَّلَاةِ: فَالصَّلَاةُ أُحَقُّ أنْ يُؤْمَرَ فِيهَا بِالسَّكِينَةِ وَيُنْهَى فِيهَا عَن الِاسْتِعْجَالِ.
فَإِنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ تَقْتَضِي السَّكّينَةَ فِي الِانْتِقَالِ؛ كَالرَّفْعِ وَالْخَفْضِ