تقريب فتاوى ابن تيمية
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَن ظُلِمَ بِتَرْكِ قِرَاهُ الَّذِي تَنَازَعَ النَّاسُ فِي وُجُوبِهِ وَإِن كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ: فَكَيْفَ بِمَن ظُلِمَ بِمَنْعِ حَقِّهِ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهُ.
- أَو يَذْكُرُ ظَالِمَهُ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ مِن غَيْرِ عُدْوَانٍ، وَلَا دُخُولٍ فِي كَذِبٍ وَلَا ظلْمِ الْغَيْرِ، وَتَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ.
ب- وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ وَاجِبًا فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ؛ مِثْل نَقَلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَغْلَطُونَ أو يَكْذِبُون. وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَع مِن أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَو الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُم وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي ويعْتَكِفُ أَحَبُّ إلَيْك أَو يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَع؟ فَقَالَ: إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَع فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَفْضَلُ.
فَبَيَّنَ أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِن جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إذ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ وَدَفْعِ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْلَا مَن يُقِيمُهُ اللهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ لَفَسَدَ الدِّينُ، وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِن فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِن أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ هَؤلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِن الدِّينِ إلا تَبَعًا، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهم يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً (١).