تقريب فتاوى ابن تيمية
فَمِن ذَلِكَ اسْمُ الْمَاءِ مُطْلَق فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَسِّمْهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى قِسْمَيْنِ: طَهُورٌ وَغَيْرُ طَهُورٍ، فَهَذَا التَّقْسِيِمُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَمِن ذَلِكَ اسْمُ الْحَيْضِ، عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَفُهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأمَّةِ بِذَلِكَ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَن قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَد خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُق صَدَقَة؛ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَة وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَة" (١) وَقَالَ: "لَا شَيْءَ فِي الرِّقَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ لا، وَقَالَ فِي السَّارِقِ: "يُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ " (٢) وَقَالَ: "تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ" (٣)، وَالْأُوقِيَّةُ فِي لُغَتِهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلدِّرْهَمِ وَلَا لِلدِّينَارِ حَدًّا، وَلَا ضَرَبَ هُوَ دِرْهَمًا، وَلَا كَانَتِ الدَّرَاهِمُ تُضْرَبُ فِي أَرْضِهِ؛ بَل تُجْلَبُ مَضْرُوبَةً مِن ضَرْبِ الْكُفَّارِ (٤)، وَفِيهَا كِبَارٌ وَصِغَارٌ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا تَارَةً عَدَدًا وَتَارَةً وَزْنًا، كَمَا قَالَ: "زِنْ وَأَرْجِحْ فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُم قَضَاءً"، وَكَانَ هُنَاكَ وَزَّان يَزِنُ بِالْأَجْرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُم إذَا وَزَنُوهَا فَلَا بُدَّ لَهُم مِن صَنْجَةٍ يَعْرِفُونَ بِهَا مِقْدَارَ الدَّرَاهِمِ، لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَحُدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ.