تقريب فتاوى ابن تيمية
ثُمَّ إنَّمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ وَالتَّأخِيرُ مَعَ الْقَرِينَةِ، أَمَّا مَع اللَّبْسِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ يَلْتَبِسُ عَلَى الْمُخَاطَبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا قَرِينَة تَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ؛ بَلِ الْقَرِينَة تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِرَادَةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ بِمِثْل هَذَا الْخِطَابِ خِلَافُ الْبَيَانِ، وَأَمْرُ الْمُخَاطَبِ بِفَهْمِهِ تَكْلِيفٌ لِمَا لَا يُطَاقُ (١).
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللهَ قَد ذَكَرَ وُجُوهَ الْأَشْقِيَاءِ وَوُجُوهَ السُّعَدَاءِ فِي السُّورَةِ فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ [الغاشية: ٨ - ١٠] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا وَصَفَهَا بِالنِّعْمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا فِي الدُّنْيَا؛ إذ هَذَا لَيْسَ بِمَدْحٍ، فَالْوَاجِبُ تَشَابُهُ الْكَلَامِ وَتَنَاظُز الْقِسْمَيْنِ، لَا اخْتِلَافُهُمَا، وَحِينئِذٍ فَيَكونُ الأشْقِيَاءُ وُصِفَتْ وُجُوهُهُم بِحَالِهَا فِي الْآخِرَةِ. [١٦/ ٢١٧ - ٢١٨]
* * *
سورة الشمس
١٦٠٠ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ [الشمس: ١ - ٤] ضَمِيرُ التَّأنِيثِ فِي ﴿جَلَّاهَا (٣)﴾ و ﴿يَغْشَاهَا (٤)﴾ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ إلَّا الشَّمْسُ، فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّهَارَ يُجَلِّي الشَّمْسَ، وَأَنَّ اللَّيْلَ يَغْشَاهَا، والتَّجْلِيَةُ الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ، والْغَشَيَانُ التَّغْطِيَةُ وَاللَّبْسُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ظَرْفَا الزَّمَانِ، وَالْفِعْلُ إذَا أُضِيفَ إلَى الزَّمَانِ فَقِيلَ: هَذَا الزَّمَان أَو هَذَا الْيَوْمُ يُبْرِدُ، أَو يُبَرِّدُ، أَو يُنْبِتُ الْأَرْضَ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَالْمَقْصُودُ: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِيهِ، كَمَا يُوصَفُ الزَّمَانُ بِأَنَّهُ عَصِيبٌ وَشَدِيدٌ وَنَحْسٌ وَبَارِدٌ وَحَارٌّ وَطَيِّبٌ وَمَكْرُوهٌ، وَالْمُرَادُ وَصْفُ مَا فِيهِ.
فَكَوْنُ الشَّيءِ فَاعِلًا وَمَوْصُوفًا هُوَ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ، كُلُّ شَيءٍ بِحَسَبِهِ.
قِيلَ: إنَّ "مَا" مَصْدَرَّيةٌ، وَالتَّقْدِير: وَالسَّمَاءِ وَبِنَاءِ اللهِ إيَّاهَا، وَالْأَرْضِ