تقريب فتاوى ابن تيمية
وَلَمَّا طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأُرِيدَ قَتْلُهُ -بَعْدَمَا أُنْضِجَتْ لَهُ الْقُدُورُ، وَقُلِّبَتْ لَهُ الْأُمُورُ- اجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ لِوَدَاعِهِ، وَقَالُوا: قَد تَوَاتَرَتِ الْكُتُبُ بِأنَّ الْقَوْمَ عَامِلُونَ عَلَى قَتْلِكَ.
فَقَالَ: وَاللهِ لَا يَصِلُونَ إِلَى ذَلِكَ أبَدًا، قَالُوا: أفَتُحْبَسُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَطُول حَبْسِي، ثُمَّ أَخْرُجُ وَأَتَكَلَّمُ بِالسُّنَّةِ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَلَمَّا تَوَلَّى عَدُوُّهُ الْمُلَقَّبُ بِالْجَاشِنْكيرِ (١) الْمُلْكَ أَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، وَقَالُوا: الْآنَ بَلَغَ مُرَادَة مِنْكَ، فَسَجَدَ للهِ شُكْرًا وَأطَالَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا سَبَبُ هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: هَذَا بِدَايَةُ ذُلِّهِ وَمُفَارَقَةُ عِزِّهِ مِنَ الْآنِ، وَقُرْبُ زَوَالِ أمْرِهِ، فَقِيلَ: مَتَى هَذَا؟ فَقَالَ: لَا تُرْبَطُ خُيُولُ الْجُنْدِ عَلَى الْقُرْطِ حَتَّى تُغْلَبَ دَوْلَتُهُ، فَوَقَعَ الْأمْرُ مِثْلَ مَا أخْبَرَ بِهِ، سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَقَالَ مَرَّةً: يَدْخُلُ عَلَيَّ أَصْحَابِي وَغيْرُهُمْ، فَأرَى فِي وُجُوهِهِمْ وَأعْيُنِهِمْ أمُورًا لَا أَذْكُرُهَا لَهُمْ.
فَقُلْتُ لَهُ -أَوَ غَيْرِي-: لَوْ أخْبَرْتَهُمْ؟ فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ انْ أَكُونَ مُعَرِّفًا كَمُعَرِّفِ الْوُلَاةِ؟
وَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: لَوْ عَامَلْتَنَا بِذَلِكَ لَكَانَ أَدْعَى إِلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالصَّلَاحِ.
فَقَالَ: لَا تَصْبِرُونَ مَعِي عَلَى ذَلِكَ جُمُعَةً، أوْ قَالَ: شَهْرًا.
وَأَخْبَرَنِي غَيْرَ مَنْ مَرَّةٍ بَاطِنَةٍ تَخْتَصُّ بِي مِمَّا عَزَمْتُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانِي.