Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية التحزيب المستحب والمحدث

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ٢/ ٢٥٢

قُلْت: هَذِهِ الرِّوَايَةُ نبَّهَ عَلَيْهَا الْبخَارِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُم: فِي ثَلَاثٍ.

فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُم فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ انْتَهَى بِهِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى سَبْع (١)، كَمَا أَنَّهُ أَمَرَهُ ابْتِدَاءً بِقِرَاءَتِهِ فِي الشَّهْرِ، فَجَعَلَ الْحَدَّ مَا بَيْنَ الشَّهْرِ إلَى الْأسْبُوعِ.

وَأَمَّا رِوَايَةُ مَن رَوَى: "مَن قَرَأَ الْقرْآنَ فِي أَقَلَّ مِن ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْ" (٢) فَلَا تُنَافِي رِوَايَةَ التَّسْبِيعِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ أَمْرًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَا فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ قِرَاءَتَهُ فِي ثَلَاث دَائِمًا سنَّةً مَشْرُوعَةً، وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأنَّ مَن قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِن ثَلَاث لَمْ يَفْقَهْ، وَمَفْهُومُه مَفْهُومُ الْعَدَدِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ صَحِيح أَنَّ مَن قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا فَحُكْمُهُ نَقِيضُ ذَلِكَ، وَالتَّنَاقُضُ يَكُونُ بِالْمُخَالَفَةِ وَلَو مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ.

فَإِذَا كَانَ مَن يَقْرَؤُهُ فِي ثَلَاثٍ أَحْيَانًا قَد يَفْقَهُهُ حَصَلَ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا شُرعَ فِعْلُ ذَلِكَ أَحْيَانًا لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَحَبَّةً؛ وَلهَذَا لَمْ يعْلَمْ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى عَهْدِهِ مَن دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ، أَعْنِي عَلَى قِرَاءَتِهِ دَائِمًا فِيمَا دُونَ السَّبْعِ، وَلهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵀ يَقْرَؤُهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ.

وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ التَّحْزِيبُ الْمُسْتَحَبُّ مَا بَيْنَ أُسْبُوع إلَى شَهْرٍ .. فَالصَّحَابَةُ إنَّمَا كَانُوا يحزبونه سُوَرًا تَامَّةً، لَا يحزبون السُّورَةَ الْوَاحِدة كَمَا رَوَى أَوْسُ بْن حُذَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كيْفَ تحزبون الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ وَخَمْسس وَسَبْع وتسعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصلِ وَاحِد. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ وَأَحْمَد وَابْنُ مَاجَه.

وَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو فِي أَنَّ الْمَسْنُونَ كَانَ