مدارج السالكين - ط الكتاب العربي
الْعِلْمِيُّ الْخَبَرِيُّ، وَإِمَّا دَعْوَةٌ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَخَلْعُ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، فَهُوَ التَّوْحِيدُ الْإِرَادِيُّ الطَّلَبِيُّ، وَإِمَّا أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَإِلْزَامٌ بِطَاعَتِهِ فِي نَهْيِهِ وَأَمْرِهِ، فَهِيَ حُقُوقُ التَّوْحِيدِ وَمُكَمِّلَاتُهُ، وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لِأَهْلِ تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَمَا يُكْرِمُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ جَزَاءُ تَوْحِيدِهِ وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّكَالِ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ فِي الْعُقْبَى مِنَ الْعَذَابِ، فَهُوَ خَبَرٌ عَمَّنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ التَّوْحِيدِ.
[مَرَاتِبُ التَّوْحِيدِ]
فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي التَّوْحِيدِ وَحُقُوقِهِ وَجَزَائِهِ، وَفِي شَأْنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَجَزَائِهِمْ فَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] تَوْحِيدٌ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] تَوْحِيدٌ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] تَوْحِيدٌ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] تَوْحِيدٌ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَوْحِيدٌ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَوْحِيدٌ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] تَوْحِيدٌ مُتَضَمِّنٌ لِسُؤَالِ الْهِدَايَةِ إِلَى طَرِيقِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] الَّذِينَ فَارَقُوا التَّوْحِيدَ، وَلِذَلِكَ شَهِدَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا التَّوْحِيدِ، وَشَهِدَ لَهُ بِهِ مَلَائِكَتُهُ، وَأَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ، قَالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨] .
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، وَالرَّدَّ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ، وَالشَّهَادَةَ بِبُطْلَانِ أَقْوَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بَعْدَ فَهْمِ الْآيَةِ بِبَيَانِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةِ.
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: أَجَلَّ شَهَادَةٍ، وَأَعْظَمَهَا، وَأَعْدَلَهَا، وَأَصْدَقَهَا، مِنْ أَجَلِّ شَاهِدٍ، بِأَجَلِّ مَشْهُودٍ بِهِ، وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي " شَهِدَ " تَدُورُ عَلَى الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ، وَالْإِعْلَامِ وَالْبَيَانِ، وَالْإِخْبَارِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: حَكَمَ، وَقَضَى، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بَيَّنَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَعْلَمَ وَأَخْبَرَ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا حَقٌّ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَخَبَرَهُ، وَقَوْلَهُ، وَتَتَضَمَّنُ إِعْلَامَهُ، وَإِخْبَارَهُ وَبَيَانَهُ، فَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ، فَأَوَّلُ مَرَاتِبِهَا: عِلْمٌ، وَمَعْرِفَةٌ، وَاعْتِقَادٌ لِصِحَّةِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَثُبُوتِهِ، وَثَانِيهَا: تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ، وَنُطْقُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ وَيَذْكُرُهَا، وَيَنْطِقُ بِهَا أَوْ يَكْتُبُهَا، وَثَالِثُهَا: أَنْ يُعْلِمَ غَيْرَهُ بِمَا شَهِدَ بِهِ، وَيُخْبِرَهُ بِهِ، وَيُبَيِّنَهُ لَهُ، وَرَابِعُهَا: أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِهَا وَيَأْمُرَهُ بِهِ.