Skip to content

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي مراتب التوحيد

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Printed page ٣/ ٤١٩

فَشَهَادَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَةَ: عِلْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ، وَتَكَلُّمَهُ بِهِ، وَإِعْلَامَهُ، وَإِخْبَارَهُ لِخَلْقِهِ بِهِ، وَأَمْرَهُمْ وَإِلْزَامَهُمْ بِهِ.

أَمَّا مَرْتَبَةُ الْعِلْمِ: فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بِالْحَقِّ تَتَضَمَّنُهَا ضَرُورَةً، وَإِلَّا كَانَ الشَّاهِدُ شَاهِدًا بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ وَأَشَارَ إِلَى الشَّمْسِ» .

وَأَمَّا مَرْتَبَةُ التَّكَلُّمِ وَالْخَبَرِ: فَمَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَأَخْبَرَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] .

فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ شَهَادَةً، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يُؤَدُّوهَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ» وَشَهَادَةُ الزُّورِ هِيَ قَوْلُ الزُّورِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠] وَعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ» فَسَمَّى قَوْلَ الزُّورِ شَهَادَةً، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى إِقْرَارَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]