Skip to content

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي حقيقة التعظيم

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Printed page ٢/ ٤٦٣

وَقُوَّةُ الْفِرَاسَةِ: بِحَسَبِ قُوَّةِ هَذَا النُّورِ وَضَعْفِهِ، وَقُوَّتُهُ وَضَعْفُهُ بِحَسَبِ قُوَّةِ مَادَّتِهِ وَضِعْفِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ فِرَاسَةٌ سَرِيَّةٌ]

فَصْلٌ

قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: فِرَاسَةٌ سَرِيَّةٌ، لَمْ تَجْتَلِبْهَا رَوِيَّةٌ عَلَى لِسَانٍ مُصْطَنَعٍ تَصْرِيحًا أَوْ رَمْزًا.

يَحْتَمِلُ لَفْظُ السَّرِيَّةِ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الشَّرَفُ. أَيْ فِرَاسَةٌ شَرِيفَةٌ. فَإِنَّ الرَّجُلَ السَّرِيَّ هُوَ الرَّجُلُ الشَّرِيفُ. وَجَمْعُهُ سَرَاةٌ، وَمِنْهُ - فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] أَيْ سَيِّدًا مُطَاعًا. وَهُوَ الْمَسِيحُ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ سَرِيَّةٌ بِوَزْنِ شَرِيفَةٍ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ السِّرِّ، أَيْ فِرَاسَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَسْرَارِ لَا بِالظَّوَاهِرِ، فَتَكُونُ سَرِيَّةٌ بِوَزْنِ شَرِيبَةٌ وَمَكِيثَةٌ.

قَوْلُهُ: لَمْ تَجْتَلِبْهَا رَوِيَّةٌ أَيْ لَا تَكُونُ عَنْ فِكْرَةٍ. بَلْ تَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ هُجُومًا لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ.

قَوْلُهُ: عَلَى لِسَانٍ مُصْطَنَعٍ أَيْ مُخْتَارٍ مُصْطَفًى عَلَى غَيْرِهِ.

تَصْرِيحًا أَوْ رَمْزًا

يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْمُخْتَارَ الْمُصْطَفَى يُخْبِرُ بِهَذِهِ الْفِرَاسَةِ الْعَالِيَةِ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ، تَارَةً بِالتَّصْرِيحِ، وَتَارَةً بِالتَّلْوِيحِ، إِمَّا سَتْرًا لِحَالِهِ، وَإِمَّا صِيَانَةً لِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ الِابْتِذَالِ، وَوُصُولِهِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ. وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ التَّعْظِيمِ]

[حَقِيقَةُ التَّعْظِيمِ]

فَصْلٌ مَنْزِلَةُ التَّعْظِيمِ

وَمِنْ مَنَازِلِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَنْزِلَةُ التَّعْظِيمِ.

وَهَذِهِ الْمَنْزِلَةُ تَابِعَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ. فَعَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ يَكُونُ تَعْظِيمُ الرَّبِّ تَعَالَى فِي الْقَلْبِ. وَأَعْرَفُ النَّاسِ بِهِ: أَشَدُّهُمْ لَهُ تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يُعَظِّمْهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ. وَلَا عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. وَلَا وَصَفَهُ حَقَّ صِفَتِهِ. وَأَقْوَالُهُمْ تَدُورُ عَلَى هَذَا. فَقَالَ