مدارج السالكين - ط الكتاب العربي
لَكَ - حِينَ تُسَلِّمُ مَا دُونُ الْحَقِّ إِلَى الْحَقِّ - أَنَّ الْحَقَّ تَعَالَى هُوَ الَّذِي سَلَّمَ إِلَى نَفْسِهِ مَا دُونَهُ. فَالْحَقُّ تَعَالَى هُوَ الَّذِي سَلَّمَكَ إِلَيْهِ. فَهُوَ الْمُسَلِّمُ وَهُوَ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ. وَأَنْتَ آلَةُ التَّسْلِيمِ. فَمَنْ شَهِدَ هَذَا الْمَشْهَدَ: وَجَدَ ذَاتَهُ مُسَلَّمَةً إِلَى الْحَقِّ. وَمَا سَلَّمَهَا إِلَى الْحَقِّ غَيْرُ الْحَقِّ، فَقَدْ سَلِمَ الْعَبْدُ مِنْ دَعْوَى التَّسْلِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الصَّبْرِ]
[الصَّبْرُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الصَّبْرِ
وَمِنْ مَنَازِلِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَنْزِلَةُ الصَّبْرِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الصَّبْرُ فِي الْقُرْآنِ فِي نَحْوِ تِسْعِينَ مَوْضِعًا.
وَهُوَ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. وَهُوَ نِصْفُ الْإِيمَانِ. فَإِنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ: نِصْفُ صَبْرٍ، وَنِصْفُ شُكْرٍ.
وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا.
الْأَوَّلُ: الْأَمْرُ بِهِ. نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] .
الثَّانِي: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ، فَإِنَّ تَوْلِيَةَ الْأَدْبَارِ: تَرْكٌ لِلصَّبْرِ وَالْمُصَابَرَةِ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فَإِنَّ إِبْطَالَهَا تَرْكُ الصَّبْرِ عَلَى إِتْمَامِهَا. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] فَإِنَّ الْوَهْنَ مِنْ عَدَمِ الصَّبْرِ.
الثَّالِثُ: الثَّنَاءُ عَلَى أَهْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: