Skip to content

حجة الله البالغة

Printed page: 1/ 133

Text

(بَاب تَعْظِيم شَعَائِر الله تَعَالَى) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب﴾ اعْلَم أَن مبْنى الشَّرَائِع على تَعْظِيم شَعَائِر الله تَعَالَى، والتقرب بهَا إِلَيْهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لما أومأنا إِلَيْهِ من أَن الطَّرِيقَة الَّتِي نصبها الله تَعَالَى للنَّاس هِيَ محاكاة مَا فِي صقع التجرد بأَشْيَاء يقرب تنَاولهَا للبهيمية، وأعني بالشعائر أمورا ظَاهِرَة محسوسة جعلت ليعبد الله بهَا، واختصت بِهِ حَتَّى صَار تعظيمها عِنْدهم تَعْظِيمًا لله، والتفريط فِي جنبها تفريطا فِي جنب الله، وركز ذَلِك فِي صميم قُلُوبهم لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم، والشعائر إِنَّمَا تصير شَعَائِر بنهج طبيعي، وَذَلِكَ أَن تطمئِن نُفُوسهم بعادة وخصلة، وَتصير من المشهورات الذائعة الَّتِي تلْحق بالبديهيات الأولية، وَلَا تقبل التشكيك، فَعِنْدَ ذَلِك تظهر رَحْمَة الله فِي صُورَة أَشْيَاء تستوجبها نُفُوسهم وعلومهم الذائعة فِيمَا بَينهم، فيقبلونها ويكشف الغطاء عَن حَقِيقَتهَا، وتبلغ الدعْوَة الأدانى والأقاصى على السوَاء، فَعِنْدَ ذَلِك يكْتب عَلَيْهِم تعظيمها، وَيكون الْأَمر بِمَنْزِلَة الْحَالِف باسم الله يضمر فِي نَفسه التَّفْرِيط فِي حق الله إِن حنث، فيؤاخذ بِمَا يضمر، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يشْتَهر فِيمَا بَينهم أُمُور تنقاد لَهَا علومهم، فَيُوجب انقياد علومهم، لَهَا أَلا تظهر رَحْمَة الله بهم إِلَّا فِيمَا انقادوا لَهُ، إِذْ مبْنى التَّدْبِير على الأسهل فالأسهل، وَيُوجب أَيْضا أَن يؤاخذوا أنفسهم بأقصى مَا عِنْدهم من التَّعْظِيم لِأَن كمالهم هُوَ التَّعْظِيم الَّذِي لَا يشوبه إهمال، وَمَا أوجب الله تَعَالَى شَيْئا على عباده لفائدة ترجع إِلَيْهِ تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، بل لفائدة ترجع إِلَيْهِم، وَكَانُوا بِحَيْثُ لَا يكملون إِلَّا بالتعظيم الْأَقْصَى، فَأخذُوا بِمَا عِنْدهم، وَأمرُوا أَلا يفرطوا فِي جنب الله، وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِالذَّاتِ فِي الْعِنَايَة التشريعية حَال فَرد بل حَال جمَاعَة كَأَنَّهَا كل النَّاس، وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة. ومعظم شعار الله أَرْبَعَة: الْقُرْآن، والكعبة، وَالنَّبِيّ، وَالصَّلَاة. أما الْقُرْآن فَكَانَ النَّاس شاع فِيمَا بَينهم رسائل الْمُلُوك إِلَى رعاياهم، وَكَانَ تعظيمهم للملوك مساوقا لتعظيمهم للرسائل، وشاع صحف الْأَنْبِيَاء ومصنفات غَيرهم، وَكَانَ تمذهبهم لمذاهبهم مساوقا لتعظيم تِلْكَ الْكتب وتلاوتها، وَكَانَ الانقياد للعلوم وتلقيها على مر الدهور بِدُونِ كتاب يُتْلَى، ويروى، كالمحال بَادِي الرَّأْي، فاستوجب النَّاس عِنْد ذَلِك أَن تظهر رَحْمَة الله فِي صُورَة كتاب نَازل من رب الْعَالمين، وَوَجَب تَعْظِيمه، فَمِنْهُ أَن يستمعوا

Reading tools

Cite this page

Shamela
«حجة الله البالغة» (١/ ١٣٣)
Short
ولي الله الدهلوي، حجة الله البالغة، ج ١، ص ١٣٣.
Full
ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦هـ). حجة الله البالغة. ١١٧٦هـ، ج ١، ص ١٣٣.

Go to a printed page