شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
حكم إشراك نية الدنيا مع نية الآخرة
السؤال
هل يشترط في الخروج إلى المساجد أن يستحضر النية في رفع الدرجات وحط الذنوب والسيئات بالخطا، أم أنها تقع بمجرد المشي؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإذا خرج الإنسان من بيته ونيته المسجد فلا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن تكون نيته الصلاة والتقرب إلى الله ﷿، وليس في قلبه أن يلقى أحداً أو أي شيء من عرض الدنيا، لا يريد إلا أن يذهب لأجل أن يصلي ويطيع الله ﷿، فهذا بأعلى المراتب وأشرفها عند الله ﷿، ونيته نية آخرة، فإذا نوى هذه النية كتب الله له أجره، ورفع درجاته، وحط خطيئاته، فتكفي هذه النية، وهي أن تخرج للصلاة ولا يخرجك إلا إجابة داعي الله ﷿، وهذا هو الذي يحصل به قدر الفضل.
الحالة الثانية: أن يخرج ونيته الدنيا والعياذ بالله، كرجل لولا أن هناك حاجة من حوائج الدنيا ما خرج، أو يخرج رياءً أو سمعة، فهذا -والعياذ بالله- خروجه عليه لا له.
الحالة الثالثة: أن يُشَرّك بين النيتين، فتكون نيته الصلاة والدنيا، يقول: أخرج إلى الصلاة وألقى فلاناً فأكلمه على البيت وعلى الحاجة، أو أكلمه على دَين، أو أكلمه على أمرٍ من الأمور.
وإن كانت نيته المشتركة نية طاعة وعبادة فلا إشكال، كأن يقول: أخرج إلى المسجد من أجل الصلاة ومن أجل تعليم العلم، فهذا أفضل من الذي قبله من جهة أنه جمع بين فضل الصلاة بالخطا وفضل تعليم الناس، كما قال ﷺ: (من عمد إلى مسجده ليتعلم أو يعلم الناس كان كأجر المجاهد في سبيل الله)، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ، وهذا من خصوصيات مسجده ﵊.
أما إذا كانت النية المشرَّكة لحاجة من حوائج الدنيا كأن يقول: أُصلي وأكلم فلاناً، أو: أصلي وأوصي فلاناً على أمر من أمور الدنيا، فحينئذٍ إن كانت نية الآخرة هي الأصل ونية الدنيا تبع بحيث لو لم توجد نية الدنيا لخرج لا يؤثر هذا التشريك؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]، فإنها نزلت فيمن يريد الحج والتجارة، فلما كانت التجارة تبعاً لم تؤثر، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فكانوا يتمنون العير وقد خرجوا إلى غزوة بدر، فجعل الله لهم فضل الجهاد مع أنهم كانوا يتمنون العير وهي دنيا، وكقوله ﵊: (من قتل قتيلاً فله سلبه)، فهذا دنيا لكنه تبع وليس بغاية.
فمن خرج إلى المسجد بهذا النوع الثالث وهو يريد الدنيا، والنية لها تبع وليست بأصل، بحيث لو امتنعت نية الدنيا لخرج، فهذا لا يؤثر، ويعتبر من التشريك المغتفر على مذهب المحققين من العلماء، كما ارتضاه الإمام الطبري ﵀، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من علماء الإسلام، فإذا كانت نيتك الصلاة أساساً ونية الدنيا تبعاً فلا حرج عليك في ذلك، وأنت مأجورٌ إن شاء الله.
والله تعالى أعلم.