شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
عدة المتوفى عنها زوجها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: الثانية: المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه].
شرع المصنف ﵀ في النوع الثاني من النساء المعتدات وهي المرأة التي توفي عنها زوجها، وقد شرع الله ﷿ لها العدة أربعة أشهرٍ وعشراً، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فبيّن ﷾ لزوم العدة -التي هي الحداد- على المرأة التي توفي عنها زوجها، ودلت السنة على ذلك، كما في حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂، وفيه: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً)، وقد كانت في الجاهلية تمكث المرأة سنة كاملة بعد وفاة زوجها، وتجلس في مكان ضيق، وتمتنع من الطيبات والمباحات، وتكون بأبشع حالٍ وأسوأ صورة حتى تتم سنة كاملة، فخفف الله ﵎ ويسر، ودفع عن عباده ما كان من أمور الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فشرع هذا الحداد أربعة أشهر وعشراً، وهذا النوع من العدة سواء كان الزوج دخل بها أو لم يدخل بها، فكل امرأة عقد عليها زوجها وتوفي عنها وهي في عصمته سواء وقع الدخول أو لم يقع الدخول فإنها زوجته ترثه ويرثها إذا ماتت، فيلزمها الحداد وعدة الوفاة.
(المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه قبل الدخول أو بعده).
(قبل الدخول أو بعده)، سواء دخل بها أو بعده، ثم تنقسم هذه التي توفي عنها زوجها إلى قسمين: إما أن تكون حاملاً، وإما أن تكون حائلاً، فالمرأة الحائل التي هي غير حامل هي التي تكون عدتها بما ذكرنا، ولكن إذا كانت حاملاً فإنها تعتد بوضع حملها، لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فجعل الله ﷿ عدة المرأة الحامل أن تضع ما في بطنها، وقد دلّ على ذلك الحديث الصحيح في قصة أبي السنابل بن بعكك ﵁ وأرضاه، فإن النبي ﷺ أفتى في هذا الحديث الصحيح أن المرأة الحامل تعتد بوضعها لحملها ولو كان الوضع بعد الوفاة أو بعد الطلاق بساعة.
فلو أنه توفي عنها الساعة الثانية ظهراً، وبعد وفاته ولو بدقيقة خرج حملها وجنينها فقد خرجت من عدتها، وهذا حكم الله، والله يحكم ولا معقب لحكمه ﷾، وهذا شرعه وهذا حكمه، فهو أمرٌ تعبدي، فإذا وضعت الحامل حملها خرجت من عدتها.
فهنا بيّن المصنف ﵀ أنها تعتد أربعة أشهر وعشراً بشرط: أن لا تكون حاملاً، فإن كانت حاملاً فإنها تعتد بوضع الحمل، وجماهير السلف والخلف ﵏ ورضي الله عن أصحاب رسوله ﷺ أجمعين-على هذا.
وهناك من الصحابة من أثر عنه القول، بأنها تعتد أبعد الأجلين، فإن كانت حاملاً ووضعت بعد الوفاة بأسبوع أو بشهر أو بشهرين أو بثلاثة فإنها تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً؛ لأن عدة الوفاة أطول، وإن كان حملها يستمر فوق الأربعة الأشهر وعشراً فتعتد لوضع الحمل، فيرون أنها تعتد أبعد الأجلين، وهذا قول ضعيف.
والصحيح: ما دل عليه ظاهر الكتاب، وظاهر سنة رسول الله ﷺ، وانعقدت عليه كلمة جماهير السلف ﵏ أجمعين.