Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ أدلة من يقول بجواز أخذ أجرة على تعليم العلم والقرآن

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٢١٦/ ٤

أدلة من يقول بجواز أخذ أجرة على تعليم العلم والقرآن

أما دليل من قال بالجواز، فقد استدلوا بأدلة ثابتة في السنة عن رسول الله ﷺ وأدلة من القياس والنظر.

أما دليلهم من السنة الصحيحة فقالوا: عندنا عدة أحاديث وردت عن النبي ﷺ، كلها تدل على أنه يجوز أن يأخذ المسلم أجرة على القيام بهذه الطاعات والقرب: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ -وهو ثابت في الصحيحين- في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وهو في المسجد، فصعد فيها النظر وصوبه ﵊، وقال له رجل: يا رسول الله! إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها.

فقال له: (هل معك شيء تصدقها إياه؟ إلى أن قال: زوجتكها، وفي رواية: أنكحتكها، وفي رواية أخرى: ملكتكها بما معك من القرآن) فالرجل يحفظ عدة سور، فزوجه النبي ﷺ من هذه المرأة على أن يعلمها هذه السور، حيث قال: (أنكحتكها بما معك من القرآن).

فإذا تأملت هذا الحديث وجدت أن رسول الله ﷺ جعل تعليم القرآن عوضاً وصداقاً لنكاح المرأة، فدل ذلك على جواز أن يكون التعليم عوضاً عن شيء دنيوي، وأنه لا بأس أن يأخذ عليه أجراً من الدنيا ما دام أن نيته الأصلية هي ابتغاء الله ﷿، فقالوا: فلا يضر، لأنه ينوي الطاعة والقربة بتعليمهم القرآن، ولكن كونه يأخذ شيئاً من الدنيا فذلك من تيسير الله ﷿ له حتى يستعين به على المئونة، ويستعين به على طلب العلم، ويستعين به على الخير.

إذاً: حديث أبي هريرة دل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

طبعاً هم يقولون: أليس المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها يدفع المال من الذهب والفضة؟ قلنا: بلى، يدفع المال من الذهب والفضة.

قالوا: فإذا كان يدفع المال من الذهب والفضة فإن النبي ﷺ نزل تعليم القرآن عوضاً عن مهر المرأة، فدل على أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن معاوضاً عليه، يعني: لقاء عوض وبدل.

أما الدليل الثاني: فقالوا: حديث أبي سعيد في الصحيح عن النبي ﷺ: (أنهم نزلوا بحي من أحياء العرب، وفيه رجل به ألم، فقيل لهم: إنكم أتيتم من عند هذا الرجل فهل عندكم من راق؟ فأتي بالرجل، قال: فكنت أقرأ عليه بفاتحة القرآن، فأجمع رقيقي ثم أتفل عليه (ثلاثة أيام) فكأنما نشط من عقال)، أي: فشفاه الله ﷿ بما جعل الله في هذا القرآن من البركة، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] فجعل الله ﷿ فيه البركة؛ فشفي سيد القوم، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، وفي بعض الروايات أن أبا سعيد اشترط وقال: (لا نرقي حتى تجعلوا لنا جعلاً).

فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فلما جعلوا لهم الجعل قرأ ورقى فشفي سيد القوم.

ومثله قضية اللديغ حينما لدغ وقرءوا عليه بفاتحة الكتاب؛ فشفاه الله ﷿.

قال أبو سعيد: (فلما رجعنا إلى النبي ﷺ سألناه -أي: سألناه عن أخذ العوض عن القرآن والرقية- فقال ﵊: إنكم أكلتم برقية حق، وإن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله، كلوا واضربوا لي معكم متاعاً) وفي رواية: (خذوا واضربوا لي معكم بسهم) فأحل لهم العوض، والعوض وقع لقاء الرقية، والرقية نوع من الطاعة والقربة؛ لأنها لا تقع القربة إلا إذا تلا القرآن معتقداً فيه التقرب لله ﷿، كما لو أذن معتقداً وكما لو علم معتقداً، وهكذا.

فقال أصحاب هذا القول رحمة الله عليهم: إنه يجوز أخذ العوض؛ لأن النبي ﷺ أجاز لهؤلاء الصحابة أخذ الجعل، وعده غير قادح في كون العمل قربة، وقال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله).

كذلك أيضاً لهم دليل ثالث، وهو: النظر والعقل، قالوا: يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الأذان والإمامة والفتوى ونحو ذلك من القربات، كما يجوز أخذ الأجرة على بناء المسجد وكتابة العلم، والكل متفق على أنه لو استأجر شخص ليبني مسجداً فإنه يجوز بالإجماع، وبناء المسجد يقع قربة ويقع عادة من العادات، ولذلك قالوا: ممكن أن ينوي به القربة ويحصل أجر الدنيا وأجر الآخرة، قالوا: فيجوز أن يأخذ العوض عليه من هذا الوجه.