Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ أدلة من يقول بعدم جواز أخذ أجرة على تعليم القرآن وغيره

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٢١٦/ ٣

أدلة من يقول بعدم جواز أخذ أجرة على تعليم القرآن وغيره

استدل الذين قالوا بعدم الجواز بدليل الكتاب والسنة والعقل: أما دليلهم من كتاب الله ﷿ فقالوا: إن القرآن نص على تحريم عقد الأجرة على الوحي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] إلى غير ذلك من الآيات التي نصت على أنه لا أجر ولا حظ لقاء القيام بهذا الوحي، فشمل ذلك القرآن تعليماً وتدريساً وبياناً، وكل ما يتصل بالقرآن من المنافع التي يراد بها التقرب لله ﷾.

ودليل السنة هو: أن عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه علم رجلاً من أهل الصفة شيئاً من كتاب الله ﷿ فأهدى إليه قوساً، قال: (فأتيت النبي ﷺ فسألته، فقال: إن أحببت أن يقلدك الله به قوساً من نار فتقلده) ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ رتب الوعيد على أخذ الأجرة من الطاعة والقربة المتمثلة بتعليم القرآن، فدل على أنه لا يجوز أن يأخذ الشخص أجرة على تعليمهم القرآن، ويتبع ذلك تعليمهم العلم عموماً.

أما الدليل الثالث: فقالوا: حديث أبي بن كعب ﵁ وأرضاه، وفيه: (أنه أهدى إليه رجل علمه شيئاً من كتاب الله فأهدى إليه خميصة، فلما أهدى إليه الخميصة قال ﵊: لو أنك لبستها لكساك الله بها ثوباً من النار).

وهذان الحديثان في إسنادهما كلام عند أهل العلم رحمة الله عليهم، فهما ضعيفا الإسناد كما سنبينه في الترجيح.

أيضاً هناك دليل فيه نهي النبي ﷺ عن الأكل بالقرآن: (اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا) وفيه كلام أيضاً، وإن كان بعض العلماء قد حسن إسناده، لكن الكلام فيه قوي.

فهذا مجموع دليلهم من الكتاب والسنة، أما دليلهم من العقل فقالوا: لا تجوز الإجارة على هذه القربات -أي: تعليم القرآن والتعليم والإمامة والأذان ونحوها من الطاعات- كما لا تجوز الإجارة على الصلاة والصيام، يقولون: أنتم تتفقون معنا على أنه لا يجوز أن يستأجر شخص شخصاً من أجل أن يصوم عنه، وتتفقون معنا على أنه لا يجوز أن يستأجر شخص شخصاً من أجل أن يصلي عنه، وإذا كنا متفقين على أنه لا يجوز أن يستأجر شخص آخر للصلاة ولا أن يستأجره للصيام، فنقول: تعليم القرآن والأذان وتعليم العلم كالصلاة، أليس المراد بها أن يتحصل صاحبها على الأجر والمثوبة؟ قلنا: بلى.

قالوا: ما دام أنه يريد تحصيل الأجر والمثوبة والكل قربة، وكما حرم أصل الأجرة على هذه القربة يحرم أصل الأجرة على هذه القربة بجامع كون كل منهما طاعة وقربة لله ﷿.

هذا بالنسبة للدليل العام الذي ورد.

أيضاً قالوا: مسألة الأذان لا يجوز أخذ الأجرة عليها لثبوت الحديث الخاص، وهو حديث السنن، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ وأرضاه، وكان قد بعثه النبي ﷺ إلى الطائف، قال ﵁: (وكان آخر ما عهد إلي النبي ﷺ أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) والحديث صحيح، قالوا: فهذا نص، وركبوا منه دليل العقل فقالوا: إذا كان النبي ﷺ قد نص على عدم أخذ الأجرة على الأذان وهو من القربة والطاعة، كذلك لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم، ولا يجوز أخذ الأجرة على الفتوى، ولا غير ذلك من الأمور التي يقصد بها القربة والطاعة.

هذه هي محصل أدلة أصحاب القول الأول من النقل والعقل.