Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ الرضا بما قدر الله عز وجل

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٧٨/ ٨

الرضا بما قدر الله ﷿

ثم بعد ذلك يصحب هذا الصبر الرضا، فإنه قد يعطى الإنسان الصبر ولا يعطى الرضا؛ أي أن الإنسان قد يصبر على كره ويبقى في نفسه متسخطاً جزعاً.

وينبغي أن يصحب صبره بالرضا؛ لأن النبي ﷺ قال في حديث الترمذي وغيره: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضاء.

ومن سخط فعليه السخط) فالناس إما راضٍ وإما متسخط.

فالأمر الثاني الذي يصحب الصبر عمل قلبي وهو رضاه بما أنزل الله به من مصيبة، فلا يجزع ولا يتسخط.

قال العلماء: ومن الرضا عند المصيبة إحسان الظن بالله ﷿، فالإنسان إذا فقد أباه سلط عليه الشيطان ابتلاءً واختباراً، فيقول له: قد فقد من يعولك! وقد فقد من يقوم عليك! وقد فقد كذا وكذا فإذا أراد الله أن يجعل له الرضا على أتم وجهٍ أحسن الظن بالله ﷾، فقال: ما هذا الأب إلا رحمة من الله ﷿، وكما أن الله رحمني بأبي فسيرحمني بغيره، ولن يكلني إلى أحدٍ سواه، فيصبح فقري إلى الله وغنائي به، وكفى بتلك نعمة.

فإذاً لا بد من هذين الأمرين: أن يصبر ويرضى، ويظهر الأثر بذكر ما ينبغي من الاسترجاع، وذكر الله ﷿، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا الأمر الثالث فقال: (إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) وذلك لما قبض أبو سلمة ﵁ وصاح من في الدار، نهاهم النبي ﷺ عن ذلك، وأمرهم أن يقولوا خيراً، وبين أن الملائكة تشهد المؤمن، وأنها تؤمن على ما يقال.

فإذا رزق الله العبد الصبر والرضا عند المصائب التي لا تختص بالموت من مصائب الدنيا وفجائعها، فقال: اللهم ثبتني! اللهم ارحمني! اللهم وفقني! فدعا الله أمنت الملائكة على دعائه، وكان ذلك أدعى للإجابة، فإذا قال قال خيراً، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما قبض أبو سلمة قال الدعاء المأثور: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين! وافسح له في قبره، ونور له فيه) وهذا هو الذي يفيد؛ وهو الكلمات الطيبة، والدعاء المأثور، وذكر الله ﷾ الذي يعود بالخير على المتبلى، ويعود بالخير حتى على الميت وأهله.

فجمع النبي ﷺ في هذه الدعوة الخير من جميع وجوهه، فهو يقول: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة) فهذا خيرٌ للميت، (وارفع درجته في المهديين) فجعل ما يقدم عليه أبو سلمة في الآخرة رفعة درجة، وهذا من أفضل ما يكون وما يرجوه الإنسان من ربه، وبقيت حاجة أبي سلمة التي يحزن عليها من فراق أهله، فقال: (واخلفه في عقبه في الغابرين) بمعنى أن يتولى الله ذرية الإنسان وما خلف وراءه، ثم قال: (واغفر لنا وله يا رب العالمين): لأن الإنسان إذا دعا لأخيه وأشرك نفسه معه في دعائه؛ فإنه يؤمن الملك على دعائه، فقوله: (واغفر لنا وله يا رب العالمين) أي: ليس أبو سلمة وحده الذي يحتاج إلى الدعاء، بل نحن أيضاً نحتاج إلى المغفرة والرحمة، فكما يدعو الإنسان لغيره يدعو لنفسه، فيعطي الحق لنفسه ولغيره.

ثم قال ﵊: (وافسح له في قبره، ونور له فيه) فهذا هو الدعاء المأثور عند نزع الروح، فإذا نزعت روح الإنسان، أو بُلِّغت خبر إنسان كريم أو إنسان من عباد الله المؤمنين توفي أو قضي أو حضرت موته قلت هذا الدعاء، وإذا كنت لا تعرف اسمه تقول: (اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين) فتنال عدة أمور كما ذكر العلماء: أولاً: تصيب فضل الدعاء.

ثانياً: تصيب أجر الإحسان إلى أخيك بهذه الدعوة.

وثالثاً: أن الله ﷾ يأجرك على الاتباع والاقتداء بالنبي ﷺ؛ ولذلك قالوا: هذه الدعوة من أفضل الأدعية التي تقال عند قضاء الروح وبعد نزعها؛ لما فيها من التأسي برسول الله ﷺ.

كذلك يشرع له إذا كان في الدار أناس ضعاف أو متأثرون أن يذكرهم ويعظهم ويثبتهم؛ لأن النبي ﷺ ثبت آل أبي سلمة، فإذا كان من طلاب العلم، أو كان من الصالحين الأخيار ذكرهم بما عند الله من المثوبة، وأن البكاء والجزع والسخط لا يرد غائباً؛ ولذلك إذا قال هذه الكلمات أحسن إلى أهل الميت، وكان فيها خيرٌ له ولهم من جهة التواصي بالحق والأمر بطاعة الله ﷿.