دروس للشيخ مصطفى العدوي
حكم دخول المرأة الحائض المسجد
السؤال
وهذا سؤال من الأهمية بمكان كبير ألا وهو: هل يجوز للحائض أن تدخل المسجد، أو لا يجوز لها ذلك؟
الجواب
ذهب فريق من أهل العلم إلى أنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تدخل، واستدلوا بجملة من الأدلة منها: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني لا أحلُّ المسجد لجنب ولا لحائض)، وهذا الحديث لو ثبت عن رسول الله ﷺ لكان فاصلاً في المسألة فهو صريح الدلالة، إلا أنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسنده ضعيف.
الدليل الثاني الذي استدل به المانعون من دخول المرأة المسجد: هو قول الله ﵎: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] قالوا: والمراد بالصلاة هاهنا: مواضع الصلاة.
أما الدليل الثالث: فهو أن رسول الله ﷺ كان يدني رأسه لـ عائشة ﵂ وهو في المسجد، فأنتم تعرفون أن غرف رسول الله كانت لها أبوب إلى المسجد، ورسول الله ﷺ كان يكون في المسجد فيدني رأسه لـ عائشة رضي الله تعالى عنها وهي في غرفتها، حتى ترجله وهي حائض، فقالوا: لو كان دخول الحائض المسجد جائزاً لدخلت عائشة رضي الله تعالى عنها المسجد، ورجلت رأس رسول الله ﷺ في المسجد.
أما معنى ترجيل الشعر: فهو تمشيط الشعر، فكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تمشط شعر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليت النسوة يفعلن ذلك مع رجالهن، فهذه تكاد أن تكون سنة.
أيضاً استدل المانعون بأن النبي ﷺ لما أمر بإخراج الحيض إلى صلاة العيد، قال ﷺ: (ويعتزل الحيض المصلى) فهذه أدلة المانعين من دخول الحائض المسجد.
أما الذين جوزوا للمرأة الحائض أن تدخل المسجد فمن أدلتهم ما يلي: أولاً: قالوا: إنه لم يرد خبر صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد، قالوا: والخبر الصريح في ذلك: (إني لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) وهو ضعيف الإسناد.
وأجابوا عن الآية الكريمة: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] قال بعض المالكية: نحن نفرق بين الجنب والحائض من ناحية أن الجنب أمره بيده، فإذا منع من شيء قد يبادر إلى الاغتسال كي يفعل هذا الشيء، أما المرأة الحائض فلا يمكنها ذلك.
الشيء الثاني الذي أجابوا به على ما ذكر: ذكروا من قوله ﷺ: (ويعتزل الحيض المصلى) قالوا: إن المراد بالمصلى: الصلاة؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يصلي العيد في المسجد، إنما كان يصليه في الفضاء، فقالوا: إن قوله: (ويعتزل الحيض المصلى) أي: ويعتزل الحيض الصلاة.
فأول ما استدل به المجيزون ألا وهو البراءة الأصلية، فقالوا: إن الوارد في هذا الباب الصحيح منه ليس بصريح، والصريح منه ليس بصحيح.
وقالوا أيضاً: ومما يستدل به على جواز دخول الحائض المسجد: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد -أي: كانت تجمع القمامة من المسجد- على عهد رسول الله ﷺ، قالوا: ولم يرد أن النبي ﷺ أمرها أن تترك خدمة المسجد وقت حيضتها.
الدليل الثالث الذي استدل به القائلون بجواز دخول الحائض المسجد مادام المسجد لم يتلوث: أن النبي ﷺ قال لـ عائشة -لما حاضت وكانت مع النبي ﷺ في الحج-: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) قالوا: والحاج من النساء لها أن تدخل المسجد، ولكن لا تطوف؛ لأن الطواف بمثابة الصلاة مع الفروق الواردة في محلها.
استدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن لا ينجس) فهذا دليل استدلوا به أيضاً.
واستدلوا كذلك بأن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة، ومن ناحية الإسناد إسناده حسن.
فهذه بعض استدلالات الفريقين، والذي يبدو والله أعلم: أن المانعين ليست لهم حجة قوية صريحة، والذي يبدو أن المسجد إذا أمن من التلوث فإنه يجوز للحائض دخوله، والله ﵎ أعلم.
فنسأل الله أن يغفر لنا إذا كنا قد أخطأنا في هذه المسألة، والموفق لكل صواب هو الله ﷾.