دروس للشيخ مصطفى العدوي
حكم مس المرأة للمتوضئ
السؤال
هل مس الرجل للمرأة -ولا أعني بالمس الجماع هاهنا، إنما أعني المصافحة والقبلة ونحو ذلك- هل هذا المس ينقض وضوء الرجل؟ وهل ينقض وضوء المرأة؟
الجواب
الله ﷾ قال في كتابه الكريم: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] اختلف أهل العلم على قولين في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]: فذهب فريق منهم إلى أن الملامسة هاهنا المراد بها الجماع، وحجتهم أن إطلاق المس في كتاب الله ﷾ أغلبه منزل على الجماع، فمن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالمس هنا المراد به الجماع، وكذا قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] فقد اختار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن المراد به الجماع، وكذا قول الله ﷾: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] في آية الظهار فالمراد به الجماع.
وعليه فإن بعض أهل العلم منهم: الحبر الكريم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما رأى أن مس المرأة بما دون الجماع لا ينقض وضوء الرجل، وأيضاً هو لا ينقض وضوء المرأة.
بينما ذهب فريق آخر من أهل العلم، منهم: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وآخرون من أهل العلم إلى أن مس المرأة ينقض وضوء الرجل، وحملوا قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] على عمومه.
أما وجهة ترجيح القول الأول: قول عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ فبسبب ما أخرجه مسلم رضي الله تعالى عنه من حديث عائشة ﵂ قالت: (فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) فالشاهد منه: قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه) فلو كان مسح عائشة ﵂ لبطن قدم النبي ﷺ ناقضاً لخرج النبي ﷺ من صلاته، وفي البخاري ومسلم أيضاً من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما) فإذا كان المس ينقض الوضوء على عمومه لخرج النبي ﷺ من صلاته.
والذي يظهر ويترجح بالأدلة والله تعالى أعلم أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ما لم يكن جماعاً، وهذا القول قول عبد الله بن عباس ﵄، وهو الحافظ الكريم الذي دعا له رسول الله ﷺ بالفقه في الدين وتعلم التأويل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد كان المسلمون دائماً يلمسون نساءهم، وما نقل مسلم واحد عن النبي ﷺ أنه أمر أحداً بالوضوء من مس النساء، والله ﵎ أعلم، وهذا أيضاً رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
هذا وقد ورد في هذا الباب حديث فيه: (أن النبي ﷺ كان يقبل نساءه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ)، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيما ذكرنا كفاية.