Skip to content

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق قول الخصم لا يلزم من دعاء الغير أن يكون شركا في العبادة والجواب عنه

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Printed page ٣٥٠

لها نجاة ولا سعادة ولا كمال إلاَّ بأن يكون الله وحده معبودها ومحبوبها الذي لا أحب إليها منه، ولفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب، فلا بد أن يكون العابد محبأً للإله المعبود كمال الحب، ولابد أن يكون ذليلاً كمال الذل، وهما لا يصلحان إلاَّ لله وحده، فهو الإله المستحق للعبادة الذي لا يستحقها إلاَّ هو، وذلك يتضمن كمال الحب والذل والإجلال والتوكل والدعاء بما لا يقدر عليه إلاَّ الله، والنفوس محتاجة إلى الله من حيث أنه معبودها الذي هو محبوبها، ومنتهى مرادها وبغيتها من حيث هو ربها وخالقها، فمن آمن بأن الله هو رب كل شيء وخالقه ولم يعبد الله وحده بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، وأخشى عنده من كل ما سواه، وأعظم عنده مما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب بحيث يحبه مثل ما يحب الله ويخشاه مثل ما يخشى الله ويرجوه مثل ما يرجو الله ويدعوه بما لا يقدر عليه إلاَّ الله مثل ما يدعو به الله فهو المشرك الشرك الذي لا يغفره الله، ولو كان مع ذلك عفيفاً في طعامه ونكاحه وكان حليماً شجاعاً. فإن أبا بكر ﵁ وغيره من الصحابة كانوا قبل الإسلام لا يرضون أن يفعلوا الذنوب الكبار كالزنا والسرقة، ولما بايع النبي ﷺ هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية بيعة النساء على أن لا يسرقن ولا يزنين قالت أو تزني الحرة فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلاَّ للإماء ولهذا عنت بقولها الحرة العفيفة لأن الحرائر كن عفائف قال سبحانه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فما خلق العبد لأجله وطلب منه من سائر العبادة لابد من إخلاصه لله وحده فإن الغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده وهي حقيقة قول القائل لا إله إلاَّ الله، وبهذا بعث الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفوس وتزكو وتكمل إلاَّ بهذا كما قال تعالى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي ما تزكو به أنفسهم من التوحيد والإيمان، وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص في سائر العبادات المأمور بها شرعاً لم يكن من أهل النجاة والسعادة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ذكر ذلك في موضعين من كتابه فليس الموحد إلاَّ المخلص بعبادته لله وحده لا شريك له المتبع