تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف
ذكر سد الْأَبْوَاب الشوارع فِي الْمَسْجِد
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: خطب النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " إِن الله خير عبدا بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْد الله ". فَبكى أَبُو بكر، فَقلت فِي نَفسِي: مَا يبكي هَذَا الشَّيْخ أَن يكون عبدا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْد الله، فَكَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ العَبْد، وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بكر لَا تبك إِن آمن النَّاس عليّ فِي صحبته وَمَاله أَبُو بكر، وَلَو كنت متخذاً من أمتِي خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر، وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام ومودته، لَا يبْقين فِي الْمَسْجِد بَاب إِلَّا سد، إِلَّا بَاب أبي بكر. وَكَانَ بَاب أبي بكر ﵁ فِي غربي الْمَسْجِد. وروى ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ أَمر بالأبواب كلهَا فَسدتْ إِلَّا بَاب عَليّ ﵁.
ذكر تجمير الْمَسْجِد الشريف وتخليقه
ذكر أهل السّير: أَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَتَى بسفط من عود فَقَالَ: أجمروا بِهِ الْمَسْجِد لينْتَفع بِهِ الْمُسلمُونَ. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: فَبَقيت سنة فِي الْخُلَفَاء إِلَى الْيَوْم يُؤْتى فِي كل عَام بسفط من عود يجمر بِهِ الْمَسْجِد لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة عِنْد مِنْبَر النَّبِي ﷺ من خَلفه إِذا كَانَ الإِمَام يخْطب، قَالُوا: وأتى عمر ﵁ بمجمرة من فضَّة فِيهَا تماثيل من الشَّام فَكَانَ يجمر بهَا الْمَسْجِد ثمَّ تُوضَع بَين يَدَيْهِ، فَلَمَّا قدم إِبْرَاهِيم بن يحيى والياً على الْمَدِينَة غَيرهَا وَجعلهَا ساجاً. فَقَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهِي فِي يَوْمنَا هَذَا منقوشة. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَكَذَلِكَ هِيَ مستمرة إِلَى يَوْمنَا هَذَا. وَأما تخليقه: فَروِيَ أَن عُثْمَان بن مَظْعُون ﵁ تفل فِي الْمَسْجِد فَأصْبح كئيباً فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: مَا لي أَرَاك كئيباً؟ فَقَالَ: مَا شَيْء إِلَّا أَنِّي تفلت فِي الْمَسْجِد وَأَنا أُصَلِّي فعمدت إِلَى الْقبْلَة فغسلتها ثمَّ خلقتها، فَكَانَ أول من خلق الْقبْلَة. وَعَن جَابر بن عبد الله أول من خلق الْقبْلَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁. ثمَّ لما حجت الخيزران أم مُوسَى وَهَارُون الرشيد فِي سنة سبعين وَمِائَة أمرت بِالْمَسْجِدِ الشريف أَن يخلق، فَتَوَلّى تخليقه جاريتها مؤنسة فخلقته جَمِيعه وخلقت الْحُجْرَة الشَّرِيفَة جَمِيعهَا.