التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
حديثٌ رابعَ عَشَرَ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر مولى عُمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، أنَّه بلَغه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لشهداءِ أُحدٍ: "هؤلاء أشهَدُ عليهم". فقال أبو بكر الصِّدِّيق: ألَسنا يا رسولَ اللَّه بإخوانِهم؛ أسلَمنا كما أسلَموا، وجاهَدنا كما جاهَدوا؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ: "بلى، ولكنْ لا أدري ما تُحدِثونَ بعدي". قال: فبكَى أبو بكرٍ وقال: أئنّا لكائِنون بعدَك؟
هذا الحديثُ مُرسلٌ هكذا مُنقطعٌ عند جميع الرُّواة لـ "الموطأ" (٢)، ولكنّ معناه يَستندُ من وجوهٍ صحاح كثيرة.
ومعنى قولِه: "أشهَدُ عليهم"، أي: أشهَدُ لهم بالإيمان الصَّحيح والسَّلامة من الذنوبِ الموبقات، ومن التَّبديل والتَّغيير، والمنافسة في الدُّنيا، ونحوِ ذلك، واللَّهُ أعلم.
وفيه من الفقه: دليلٌ على أنَّ شهداءَ أُحدٍ ومَن مات من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ قبلَه أفضلُ من الذين تخلَّفهم بعدَه، واللَّهُ أعلم، وهذا عندي في الجملةِ المحتملةِ للتخصيص؛ لأن من أصحابه مَن أصاب من الدُّنيا بعدَه وأصابَت منه، وأما الخصوصُ والتَّعيينُ فلا سبيلَ إليه إلا بتوقيفٍ يجبُ التَّسليمُ له.
وأما أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ الذين تخلَّفهم رسولُ اللَّه ﷺ بعدَه، فأفضَلُهم أبو بكرٍ وعمرُ. على هذا جماعةُ علماءِ المسلمين إلا مَن شذَّ، وقد قالت طائفةٌ كثيرةٌ من أهل العلم: إن أفضلَ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ: أبو بكرٍ وعمر، لم يَستَثنوا مَن مات قبلَه ممَّن مات بعدَه.
وأما قولُ رسولِ اللَّه ﷺ لشُهداءِ أُحد: "أنا أشهَدُ لهؤلاء"، أو: "أنا شَهيدٌ لهؤلاء"، ونحوُ هذا، فقد رُوِيَ هذا اللفظُ ومعناه من وجوه: