التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق
يقول: إن فلانًا ثَقُل (١) لسانُه فلا يعرف جيرانه ولا يكلم إخوانه (٢)، وكأني أنظرُ إليك تسمع الخطاب ولا تقدر على ردّ الجواب ثم تبكي ابنتُكَ كالأسيرةِ، وتتضرع وتقول: حبيبي أبي، مَنْ ليُتمي بعدك؟ و (٣) مَنْ لحاجتي؟ وأنت واللهِ تسمع الكلامَ ولا تقدرُ على رد الجواب.
وأنشدوا (٤):
فأقبلتِ الصُغرَى تُمرِّغُ خدَّها … على وجنتِي حِينًا وحِينًا على صَدْرِ
وتخمشُ خَديها وتَبْكِي بِحُرْقَةٍ … تنادي: أبي إني غُلِبتُ عَنِ الصبرِ
حبيبي أبي مَن لليتامى تركتَهم … كأفْراخِ زُغْبٍ فِي بُعِيدٍ مِن الوَكْرِ
فخيِّل لنفسك يا ابن آدمَ إذا أُخِذتَ من فراشِكَ إلى لوحِ مُغْتسَلك فغسلك الغاسِل، وأُلبستَ الأكفانَ وأوحشَ منك الأهلُ والجيرانُ، وبكت عليك الأصحابُ (٥)، والإخوانُ، وقال الغاسلُ: أين زوجته (٦) تحالله، وأين اليتامى تركتم أباكم فما ترونه من (٧) بعد هذا اليوم أبدًا.
وأنشدوا (٨):
ألا أيُّها المُغْرُورُ ما لَكَ تلعَبُ … تُؤمِّلُ آمالًا وموتُكَ أقْرَبُ
وتعلم أنّ الحِرْصَ بحرٌ مُبْعِدٌ … سفينتُهُ الدُّنيا فإيّاكَ تَعْطِبُ
[وتعلمُ أنّ الموْتَ ينقضُ مُسْرِعًا … عليك يقينًا طعمُهُ ليسَ يعْذُبُ] (٩)
كأنك تُوصي واليتامى تراهم … وأمُهم الثَّكْلَى تنوحُ وتَنْدُبُ
تَغَصُّ بحُزْنٍ ثُم تلطمُ وجَهَهَا … تراها (١٠) رجالٌ بعد ما هيَ تَحجِبُ