Skip to content

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط مكتبة ابن تيمية سورة المائدة

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط مكتبة ابن تيمية

محمد الأمين الشنقيطي

Printed page ٧٣

مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْيَهُودِ، هَلْ يُبَاحُ لِلْمُسْلِمِ مِمَّا ذَبَحَهُ الْيَهُودِيُّ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَجَزَّأُ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَابْنِ الْقَاسْمِ وَأَشْهَبَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الْجُمْهُورُ بِحُجَجٍ لَا يَنْهَضُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ قَالُوا:

الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيمَا أَحَلَّتْهُ الْآيَةُ.

فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الْجُمْهُورُ بِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ عَلَى أَخْذِهِ جِرَابًا مِنْ شَحْمِ الْيَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ.

وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ أَيْ وَدَكٍ مُتَغَيِّرِ الرِّيحِ، وَبِقِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي سَمَّتْهَا الْيَهُودِيَّةُ لَهُ ﷺ وَنَهَشَ مِنْ ذِرَاعِهَا وَمَاتَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ قَالُوا: إِنَّهُ ﷺ عَزَمَ عَلَى أَكْلِهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ هَلْ نَزَعُوا مِنْهَا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ مِنْ شَحْمِهَا أَوْ لَا.

وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ ... مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ لَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ.

أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَحَدِيثُ أَنَسٍ ﵄ فَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّصُّ عَلَى خُصُوصِ الشَّحْمِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، وَمُطْلَقُ الشَّحْمِ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ