Skip to content

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية الآية التاسعة والثلاثون قوله تعالى وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية

أبو بكر ابن العربي

Printed page ١/ ٥٨٤

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: قَالَ بَعْضُ عُلَمَاؤُنَا: رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَلَّمَ السَّائِلَ مَعَالِمَ الدِّينِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ قَالَ لَهُ: وَالزَّكَاةُ؟ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ. دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ». وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ حَقٍّ فِي الْمَالِ غَيْرَ الزَّكَاةِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَا فَرْضَ ابْتِدَاءً فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ إلَّا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ، فَأَمَّا الْعَوَارِضُ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ فِيهَا فَرْضٌ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْفُرُوضِ بِالنَّذْرِ وَغَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ عِبَادَاتٌ لَا تَتَعَدَّى الْمُتَعَبِّدَ بِهَا. وَأَمَّا الْمَالُ فَالْأَغْرَاضُ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ، وَالْعَوَارِضُ عَلَيْهِ مُخْتَلِفَةٌ.

فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الزَّكَاةَ لِيَقُومَ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ أَوْ يَسُدَّ خَلَّتَهُمْ، وَإِلَّا فَتَكُونُ الْحِكْمَةُ قَاصِرَةً. فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: هَذَا لَا يَلْزَمُ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَفْرِضَ الْبَارِّي سُبْحَانَهُ الزَّكَاةَ قَائِمَةً لِسَدِّ خَلَّةِ الْفُقَرَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا قَائِمَةً بِالْأَكْثَرِ، وَتَرَكَ الْأَقَلَّ لِيَسُدَّهَا بِنَذْرِ الْعَبْدِ الَّذِي يَسُوقُهُ الْقَدَرُ إلَيْهِ.

الثَّانِي: أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَخَذَ الزَّكَاةَ فِي زَمَنِهِ» فَلَمْ تَقُمْ الْخَلَّةُ الْمَذْكُورَةُ بِالْفُقَرَاءِ حَتَّى كَانَ يَنْدُبَ إلَى الصَّدَقَةِ، وَيَحُثُّ عَلَيْهَا.