منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
وقَال آخَرُون: ونُقِل عن عمر بن الخطاب ﵁ قَوله: لَو شِئنَا لاتَّخَذْنا صِلاء (١) وصَلائق (٢) وصِنَابًا (٣)، ولكني سَمِعْتُ الله تعالى يَذُم أقْوَامًا فَقَال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا).
وفَرَّق آخَرُون بَيْن حُضُور ذلك كُلّه بِكُلْفَة وبِغَير كُلْفَة. قال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا: وهو الصحيح - إن شاء الله ﷿، فإنه لَم يُنْقَل عن النبي ﷺ أنه امْتَنَع مِنْ طَعام لأجْل طِيبِه قَطّ، بل كَان يَأكُل الْحَلْوى والعَسَل، والبطِّيخ والرُّطَب، وإنما يُكْرَه التَّكَلُّف لِمَا فيه مِنْ التَّشَاغُل بِشَهَوَات الدُّنيا عن مُهِمَّات الآخِرة. والله تعالى أعلم (٤).
قَوله تَعالى: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يَعني بِحَقِّها مِنْ تَوْحِيد الله تَعالى والتَّصْدِيق له، فإنَّ الله يُنْعِم ويَرْزُق، فإنْ وَحَّدَه الْمُنْعَم عليه وصَدَّقَه فَقد قَام بِحَقّ النِّعْمَة، وإنْ كَفَر فقد أمْكَن الشَّيْطَان مِنْ نَفْسِه.
وقال: (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يُخْلِص الله الطَّيِّبَات في الآخِرَة للذِين آمَنُوا، وليس للمُشْرِكين فِيها شَيء كَمَا كَان لهم في الدُّنيا مِنْ الاشْتِرَاك فِيها. ومَجَاز الآيَة (٥): قُلْ هي للذِين آمَنُوا مُشْتَرَكَة في الدُّنيا مَع غيرهم، وهي للمُؤمِنين خَالِصَة يَوْم القِيَامَة.