منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
وفِيمَا بَعَثْنَاك بِه إلَيهم مِنْ آي كِتَابِي الذِي أنْزَلْتُه إليهم، وفِيمَا دَعوْنَاهم إليه مِنْ الإقْرَار بِه، ومِن تَوْحِيدِي والبَرَاءة مِنْ الأنْدَاد والأوْثَان (١).
وفي آيَة "الصَّافات" يَرَى ابنُ جَرير أنَّ مَعْنَى قَولَه تَعَالى: (وَقِفُوُهُمْ): "احْبِسُوهم، أي: احْبِسُوا أيُّها الْمَلائكَةَ هَؤلاء الْمُشْرِكِين الذِين ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأزْوَاجَهم، ومَا كَانُوا يَعْبُدُون مِنْ دُون الله مِنْ الآلِهَة، (إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) " (٢).
ثم ذَكَر اخْتِلاف أهْل التَّأويل في الْمَعْنَى الذي يَأمُر اللهُ تَعالى ذِكْرُه بِوَقْفِهم لِمَسْألَتِهم عَنه (٣).
وذَكَر في آيَة "القصص" ثَلاثَة أقْوَال صَدَّرَها بِصِيغَة تَمْرِيض، فَقَال: وقَوله: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) قِيل: إنَّ مَعْنَى ذَلك: أنَّهم يَدْخُلُون النَّار بِغَير حِسَاب (٤).
وقِيل: مَعْنَى ذَلك: أنَّ الْمَلائكَة لا تَسْأل عَنْهم؛ لأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيمَاهُم.
وقِيل: مَعْنَى ذَلك: ولا يُسْأل عن ذُنُوب هَؤلاء الذين أهْلَكَهم الله مِنْ الأُمَم الْمَاضِيَة، الْمُجْرِمُون: فِيمَ أُهْلِكُوا؟ (٥)
وبِنحو ذَلك قَال في تَفسير سورة "الرحمن"، حَيث قَال: يَقُول تَعالى ذِكْرُه: فَيَومَئذٍ لا يَسْأل الْمَلائكةُ الْمُجْرِمِين عن ذُنُوبِهم؛ لأنَّ الله قد حَفِظَها عليهم، ولا يَسْألُ بَعضَهم عن ذُنُوب بَعْض رَبُّهُمْ (٦).