Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن جمع القرطبي

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٥٠٨

وقَال القرطبي بَعد ذلك: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: ١٣٢]: أي: مِنْ الْجِنّ والإنْس، كَمَا قَال في آيَة أُخْرَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) [الأحقاف: ١٨]، ثم قَال: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأحقاف: ١٩]، وفي هَذا مَا يَدُلّ على أنَّ الْمُطِيع مِنْ الْجِنّ في الْجَنَّة، والعَاصِي مِنْهم في النَّار، كَالإنْس سَوَاء، وهو أصَحّ مَا قِيل في ذلك، فاعْلَمْه (١).

وقال في تَفْسِير قَوْلِه تَعَالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأحقاف: ١٩]: أي: ولكُل وَاحد مِنْ الفَرِيقَيْن الْمُؤمِنِين والكَافِرِين مِنْ الْجِنّ والإنْس مَرَاتِب عِند الله يَوْم القِيَامَة بِأعْمَالِهم (٢).

وأطَال في تَفْسِير آيَات "الأحقاف"، واسْتِمَاع الْجِنّ للقُرْآن، ثم قال: قَوله تَعالى: (قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) أي: القُرْآن، وكَانوا مُؤمِنِين بِمُوسَى.

قال عطاء: كانوا يَهُودًا فأسْلَمُوا، ولِذَلك قَالُوا: (أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى).

وعن ابن عباس: أنَّ الْجِنّ لَم تَكُنْ سَمِعَتْ بأمْرِ عِيسى، فَلذَلك قَالَتْ: (أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى). (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يَعْنِي: مَا قَبله مِنْ التَّوْرَاة. (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) دِين الْحَقّ. (وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) دِين الله القَويم.

(يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) يَعْنِي: محمدًا ﷺ، وهذا يَدُلّ على أنّه كَان مَبعُوثًا إلى الْجِنّ والإنْس.