منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
وأمَّا قَوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) فَقِيل فِيه: إنَّ ذلك على طَرِيق الاسْتِثْنَاء الذي نَدَب الشَّرع إلى اسْتِعْمَالِه في كُلّ كَلام.
وقِيل: هو اسْتِثْنَاء مِنْ طُول الْمُدَّة، وذلك على ما رُوي مِنْ أنّ جَهنم تَخْرَب، ويُعْدم أهلها، وتُغْلَق أبوابها، فهم على هذا يَخْلُدُون حتى يَصِير أمْرهم إلى هذا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قَول مُخْتَلّ، والذي رَوي ونُقِل عن ابن مسعود وغيره إنَّمَا هو الدَّرْك الأعْلى الْمُخْتَصّ بِعُصَاة المؤمنين، وهو الذي يُسَمَّى جَهَنَّم، وسَمَّى الكُلّ بِه تَجَوّزًا (١).
وقِيل: إنَّمَا اسْتَثْنَى مَا يَلْطُف الله تَعالى بِه للعُصَاة مِنْ الْمُؤمِنِين في إخْرَاجِهم بَعْد مُدَّة مِنْ النَّار.
وقِيل: (إِلَّا) بِمَعْنَى الوَاو، فَمَعْنَى الآية: ومَا شَاء الله زَائدًا عَلى ذَلك.
وقِيل: (إِلَّا) في هَذه الآيَة بِمَعْنى سِوَى، والاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع … ويُؤيِّد هَذا التَّأويل قَوله بَعْد: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ).
وقِيل: سِوَى مَا أعَدَّه لَهم مِنْ أنْوَاع العَذَاب مِمَّا لا يُعْرَف، كَالزَّمْهَرِير ونحوه.