Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن رأي الباحث

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٤٣٣

يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) [الانشقاق: ٨] قَالت فَقَال: إنّمَا ذلكَ العَرْض، ولَكِن مَنْ نُوقِش الْحِسَاب يَهْلِك (١).

والثَّالث: أنهم نَفَوا عِلْمَهم اليَقِيني بِمَا أجَابُوا به، لأنَّ السَّرَائر أمْرُها إلى الله.

وقول ابن جُريج أيضًا قَول مُعتَبَر، وذلك أنَّ السُّؤال يَكُون عَنْ "مَاذا عَمِلُوا بَعْدكم، ومَا أحْدَثُوا بَعْدَكم؟ "، ولا يُنافي هذا كَون الرُّسُل لا يَعْلَمُون مَا أحْدَثَتْه أمَمهم بَعْدهم؛ إذ يجوز أن يَكون السُّؤال عما خَفِي، وقَد سَأل الله ﵎ الْمَلائكة عَمَّا خَفِي عليهم، فقال ﷻ: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة: ٣١، ٣٢]، فَلَمَّا سَأل الْمَلائكَة عَمَّا لا عِلْم لهم بِه أجابوا بِنَحو مَا تُجِيب بِه الرُّسُل يَوْم القِيَامَة.

ومَا أخْبَر بِه النبي ﷺ مِمَّا يَكون في يَوْم القِيَامة دَالّ على ذلك، فَمِنْ ذلك قوله ﵊: يُجَاء بِرِجَال مِنْ أُمَّتِي فَيُؤخَذ بِهم ذَات الشِّمَال فَأقُول: يَا رَب أصْحَابي، فَيَقُول: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَك. فَأقُول كَمَا قَال العَبْد الصَّالِح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: ١١٧، ١١٨] قال: فيُقَال: إنّهم لَم يَزَالُوا مُرْتَدّين على أعْقَابِهم (٢).

فاسْتِشْهَاده ﷺ بِهذه الآيَة مُشْعِر بأنَّ الشَّهَادَة على مَجْمُوع الأمَّة وقد وكَل عِلْم مَا لَم يَشْهَدْه ومَا لَم يَحضُرْه إلى الله، اقْتِدَاء بِعِيسَى ابن مريم ﵊.

كما أنَّ مَعْرِفَته ﷺ لأمَّته في الْمَحْشَر دَالّ على عِلْمِه بِمَنْ اسْتَجَاب لَه حَتى بَعْد مَمَاتِه، وقد سُئل النبي ﷺ: كيف تَعْرِف مَنْ لَم