Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٤٢١

وأجَاب عَمَّا أشْكَل في آيَة "المائدة"، فَقال: فإنْ قَال قَائل: كَيف يَقُولُون لا عِلْم لَنا وقَد عَلِمُوا مَا أجَابُوا؟

قيل: إنَّ جَهَنَّم تَزْفُر زَفْرة تَذْهَل بِهَا عُقُولهم، فَيَقُولون مِنْ شِدَّة الفَزَع: لا عِلْم لنا ثم يَرُدّ الله تعالى عَليهم عُقُولهم فيُخْبِرُون بِالْجَوَاب.

وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لَنا إلَّا العِلْم الذي أنْت أعْلَم به مِنَّا، أوْ إلَّا مَا عَلّمْتَنَا.

وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لَنا بِوَجْه الْحِكْمَة في سُؤالك إيانا عن أمْرٍ أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.

وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم بِعَاقِبة أمْرِهم، وبِمَا أحْدَثُوا مِنْ بَعْد، وأنَّ أمْرَهُم على مَاذا خُتِم. وعَلى هَذا دَلّ شَيئان:

أحَدهما: مِنْ الآيَة قَوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).

والثَّاني: ما رُوي صَحيحًا (١) عن رسول الله ﷺ أنه قال: يُسْلَك بِطَائفَة مِنْ أصْحَابي ذَات الشِّمَال - يَعْنِي يَوْم القِيَامَة - فَأقُول: يَا رَبّ أصْحَابِي أصْحَابِي، فَيَقُول الله ﵎: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدك؛ إنّهم لَم يَزالُوا مُرْتَدِّين على أعْقَابِهم مُنْذ فَارَقْتَهم، فَأقُول مَا قَال العَبْد الصَّالِح: و (كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: ١١٧] (٢).

وذَكَر الثعلبي في آيَة "المائدة" ثلاثة أقْوال:

(مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي: مَا الذي أَجَابَتْكُم أمَّتُكم؟ ومَا الذي رَدّ عَليكم قَوْمُكم حِين دَعَوْتُمُوهم إلى تَوحِيدِي وطَاعَتي؟ (قَالُوا) أي: فَيَقُولُون (لَا عِلْمَ).