منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
وقَول ابن عمر: نَزَلَتْ في الْمُؤمِنِين، وذَلك أنه لَمَّا نَزَلَتْ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآيَة. قَام رسول الله ﷺ على الْمِنْبَر فَتلاهَا على النَّاس، فَقَام إليه رَجُل فَقَال: والشِّرْك بالله. فَسَكَتْ، ثم قَام إليه مَرتين أو ثَلاثا، فَنَزَلَتْ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية. فأُثْبِتَتْ هَذه في "الزُّمر" وهذه في "النساء" (١).
وفي آية "النِّسَاء" الثَّانِيَة أوْرَد الثعلبي مَا قاله الضحاك في سَبَب النُّزُول، إلَّا أنّه جَعَلَه مِنْ قَول ابن عباس.
واسْتَدَلّ بالآية على فَسَاد قَوْل الْخَوَارِج حِين زَعَمُوا أنَّ مُرْتَكِب الكَبِيرة كَافِر.
وذلك قَوله ﷿: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فَفَرَّق بَيْن الشِّرْك وسَائر الذُّنُوب، وحَتَّم على نَفْسِه بِأن لا يَغْفِر الشِّرْك. [و] (٢) لو كَان الكَبِيرَة كُفْرًا لَكَان قَوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) مُسْتَوعِبا. فَلَمَّا فَرَّق بَيْن الشِّرْك وسَائر الذُّنُوب بَانَ فَسَاد قَوْلهم (٣).
وفي تَفْسِير سُورة الفرقان أسْنَد الثعلبي عن ابن عباس مَا جَاء في سَبَب نُزُول الآيَة، وذلك أنَّ نَاسًا مِنْ أهْل الشِّرْك كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فأكْثَرُوا، وزَنَوا فَأكْثَرُوا - ثم ذَكَرَه - وأشَار بِصِيغَة تَمْرِيض إلى كَونها نَزَلَتْ في شَأن وَحْشِي.
كَمَا أسْنَد إلى ابن عباس أنّها مَنْسُوخَة، ورَجَّح كَونها مُحْكَمَة (٤).
وفي آية "الزمر" ذَكَر أيضًا أسْبَاب النُّزُول، وذكَر الْخِلاف في الْمَعْنِيِّين بالآيَة، فَذَكَر مَا ذَكَره ابن جرير مِنْ قَبْل (٥).