Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٣٦٧

وقَول مجاهد: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) بِقَتْلِ الأنْفُس في الْجَاهِلِيَّة (١).

وأوْرَد السمعاني قَول ابن عمر بَعد قَوله: قِيل: هَذه أرْجَى آيَة في القُرْآن. قال ابن عمر: كُنا نُطْلِق القَول فِيمَن ارْتَكَب الكَبَائر بِالْخُلُود في النَّار حَتى نَزَلَتْ هَذه الآيَة فَتَوقَّفْنَا.

ثم أوْرَد سُؤالًا فيه: فإن قَال قَائل: قَدْ قَال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)، وقال في مَوْضِع آخَر: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، فَكَيف وَجْه الْجَمْع؟

قيل: أرَادَ بِه: يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا سِوى الشِّرْك (٢).

وأوْرَد السمعاني قَول ابن عباس ﵄ في قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣]، وأنّ الآيَة مَدَنِيَّة لَم يَنْسَخْها شَيء، ثم قَال: والأصَحّ والذي عليه الأكْثَرُون - وهُو مَذْهَب أهْل السُّنَّة - أنَّ لِقَاتِل الْمُؤمِن عَمْدًا تَوْبَة، والدَّلِيل عَليه قَولَه تَعَالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ) [طه: ٨٢] وقَوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)؛ ولأنَّ القَتْل العَمْد لَيْس بِأشَدّ مِنْ الكُفْر، ومِن الْكُفْر تَوْبَة، فَمِنْ القَتْل أوْلى. وأمَّا الذي رُوي عن ابن عباس فَعلى سَبِيل التَّشْدِيد والْمُبَالَغَة في الزَّجْر عن القَتْل (٣)، وهو مِثْل مَا رُوي عن سُفيان بن عُيينة أنّه قال: إن لم يَقْتُل يُقَال له: لا تَوْبة لَك مَنْعًا له عَنْ القَتْل، وإن قَتَل يُقَال له: لكَ تَوْبَة حَتى يَتُوب. ورُوي أنَّ رَجُلًا جَاء إلى ابن عباس وسَأله هَلْ لِقَاتِل الْمُؤمِن تَوْبَة؟ قال: لا. فَجَاءَه آخَر وسَألَه عن ذَلك، فَقَال: نَعم له تَوْبَة. فَقِيل له في ذلك، فَقَال: إنَّ الأوَّل لم يَكُنْ قَتَل، فَمَنَعْتُه عَنْ القَتْل، وإنَّ الثَّاني قَتَل، فأرْشَدْتُه إلى التَّوْبَة.