منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
فقال الحسن وقتادة وغيرهما: الآيَة في اليَهُود كَفَرُوا بِعِيسَى بَعْد الإيمان بِمُوسَى ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بمحمد ﷺ.
وفي هذا القَوْل اضْطِرَاب، لأنَّ الذي كَفَر بِعِيسَى بعد الإيمان بِمُوسَى لَيس بالذي كَفَر بمحمد ﷺ (١)، فالآيَة على هَذا التَّأوِيل تَخلِط الأسْلاف بالْمُخَاطَبِين (٢).
وقال أبو العالية رُفَيْع (٣): الآيَة في اليَهُود، كَفَرُوا بمحمد ﷺ بعد إيمانِهم بِصِفَاتِه، وإقْرَارهم أنّها في التَّورَاة، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بالذُّنُوب التي أصَابُوهَا في خِلاف النبي ﷺ مِنْ الافْتِرَاء والبُهْت والسَّعْي على الإسْلام وغَير ذَلك.
قال ابن عطية: وعلى هذا التَّرْتِيب يَدْخُل في الآيَة الْمُرْتَدّون اللاحِقُون بِقُرَيش وغَيرهم.
وقال مجاهد: مَعْنَى قَوله: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) أي تَمُّوا على كُفْرِهم، وبَلَغُوا الْمَوْت بِه؛ فَيَدْخُل في هذا القَوْل اليَهُود والْمُرْتَدّون. وقال السدي نحوه.
ثم أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَة هَؤلاء لَنْ تُقْبَل، وقد قَرَّرَتِ الشَّرِيعَة أنَّ تَوْبَة كُلّ كَافِر تُقْبَل سَوَاء كَفَر بَعْد إيمان وازْدَادَ كُفْرًا، أوْ كَان كَافِرًا مِنْ أوَّل أمْرِه، فلا بُدّ في هَذه الآيَة مِنْ تَخْصِيص تُحْمَل عَليه، ويَصِحّ به نَفْي قَبُول التَّوْبَة.
فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: نَفْي قَبُول تَوْبَتِهم مُخْتَصّ بِوَقْتِ الْحَشْرَجَة والغَرْغَرَة والْمُعَايَنة؛ فالْمَعْنَى لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم عِنْد الْمُعَايَنَة.