Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٣٢٩

التَّوبَة، فَرَجَع وتَاب وبَلَغ ذلك إلى أصْحَابه الذين بِمَكَّة، فَقَالُوا: إن محمدًا تَتَرَبَّص به رَيب الْمَنُون، فَقَالُوا: نُقِيم بِمَكَّة على الكُفْر مَتى بَدَا لَنَا الرَّجْعَة رَجَعْنَا، فَيَنْزِل فِينا مَا نَزَل في الحارث، فَيَقْبَل تَوْبَتَنا، فأنْزَل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) يَعْنِي: ثَبَتُوا على كُفْرِهم بِقَولِهم: نُقِيم بِمَكَّة مَا بَدَا لَنَا. (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) مَا أقَامُوا على الكُفْر.

ونَقَل عن الزجاج قَوله: كَانُوا كُلّما نَزَلَتْ آيَة كَفَرُوا بِها، فَكان ذَلك زِيَادَة كُفْرِهم.

وقَوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي: تَوبَتُهم الأُولى، وحَبِطَ أجْر عَمَلِهم.

ويُقَال: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) مَعْنَاه: أنَّهُم لَم يَتُوبُوا، كَمَا قَال: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: ٤٨] أي: لا يَشْفَع لَها أحَد (١).

ويَرى السمعاني أنَّ آيَة "آل عمران" في قَوْمٍ بِخُصُوصِهم، حَيْث قَال: هَذا في قَوم كَانُوا مع الحارث بن أوس وارْتَدّوا، فَلَما رَجَعَ هو إلى الإسْلام أمْسَكُوا عن الإسْلام أولئك القَوْم، وقَالوا: نَتَرَبّص الدَّهْر بمحمد، فإن سَاعَده الزَّمَان ونَفَذ أمْرُه نَرْجِع إلى دِينِه، فَنَزَلَتْ الآيَة.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) أي: ارْتَدُّوا عن الإسْلام بَعْد إيمانِهم (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) بِقَوْلِهم: إنا نَتَرَبّص بِمُحَمّد رَيب الْمَنُون (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ). قال أبو العالية: لأنّهم لَم يَكُونُوا مُحَقِّقِين للتَّوْبَة، بل كَانُوا مُتَرَبِّصِين (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ).

وقِيل: أرَاد به الذين كَفَرُوا بَعد إيمانِهم بِعِيسَى ازْدَادُوا كُفْرًا بمحمد (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) عند النَّاس (٢).