منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
الوَاجِب أن يَكُون أعْلَى رُتْبة مِنْ الْمُوجِب عَليه (١) والْحَقّ سُبحانه خَالِق الْخَلق ومَالِكُهم والْمُكَلِّف لَهم، فلا يَصِحّ أن يُوصَف بِوُجُوب شَيء عليه تَعالى عن ذلك، غير أنه قد أخْبَر سبحانه وهو الصَّادق في وَعْدِه بأنه يَقْبَل التَّوْبة عن العَاصِين مِنْ عِبَادِه، بِقوله تَعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ)، وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [التوبة: ١٠٤]، وقَوله: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ) [طه: ٨٢].
فأمَّا السَّمْع فَظَاهِره قَبُول تَوبَة التَّائب.
قال أبو المعالي وغيره: وهَذه الظَّوَاهِر إنّما تُعْطِي غلبة ظَن لا قَطْعًا عَلى الله تَعالى بِقَبُول التَّوْبَة.
قال ابن عطية: وقد خُولِف أبو الْمَعَالي وغيره في هَذا الْمَعْنَى، فإذا فَرَضْنا رَجُلًا قد تَاب تَوْبَة نَصُوحًا تَامَّة الشُّرُوط، فَقَال أبو المعالي: يَغْلِب على الظَّن قَبُول تَوْبَتِه، وقال غيره: يُقْطَع على الله تَعالى بِقَبُول تَوْبَتِه، كَمَا أخْبَر عَنْ نَفْسِه جَلَّ وَعَزّ.