منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
ثم ذَكَر مَنْ قَال بِذلك، وخَتَمَه بِقَولِه: فَتَأوِيل أهْل هَذه الْمَقَالَة في هَذه الآيَة: ولِكُلّ أهْل مِلَّة قِبْلةٌ هُو مُسْتَقْبِلُها، ومُوَلٍّ وَجْهَه إلَيْهَا.
وذَكَر القَول الثَّاني، ثم قَال: وتَأويل قَائل هَذه الْمَقَالَة: ولِكُلّ نَاحِية وَجَّهَك إلَيْهَا رَبُّك يَا مُحَمَّد قِبْلَة، اللهُ ﷿ مُوَلِّيها عِبَادَه.
واخْتَار أنَّ مَعْنَى قَوله: (هُوَ مُوَلِّيهَا) أنّه يَعْنِي: هُو مُوَلِّ وَجْهَه إلَيْها ومُسْتَقْبِلها.
فَمَعْنَى الكَلام إذًا: ولِكُلّ أهْلِ مِلّة وِجْهَة، الكُلُّ مِنْهم مُوَلُّوها وُجُوهَهم (١).
أمَّا قَوله تَعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) فَمَعْنَاه عند ابن جرير: فَبَادِرُوا وسَارِعُوا، مِنْ الاسْتِبَاق، وهو الْمُبَادَرَة والإسْرَاع.
وإنّما يَعْنِي بِقَوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) أي: قد بَيّنْتُ لَكم أيّها الْمُؤمِنُون الْحَقَّ، وهَدَيْتُكم للقِبْلَة التي ضَلَّت عَنْها اليَهُود والنَّصَارَى وسَائرُ أهْل الْمِلَل غَيركم، فَبَادِرُوا بالأعْمَال الصَّالِحَة، شُكْرًا لِرَبِّكُم، وتَزَوَّدُوا في دُنْيَاكم لآخِرَتِكم، فَإني قَدْ بَيّنْتُ لَكم سُبُل النَّجَاة، فَلا عُذْر لَكم في التَّفْرِيط، وحَافِظُوا عَلى قِبْلَتِكم، فَلا تُضَيِّعوها كَمَا ضَيَّعَتْها الأُمَم قَبْلَكم، فَتَضِلُّوا كَمَا ضَلَّتْ (٢).
وخَتَم الْمَبْحَث بِقَولِه: وإنّما حَضَّ الله ﷿ الْمُؤمِنِين بِهَذه الآيَة عَلى طَاعَتِه والتَّزَوُّد في الدُّنْيا للآخِرَة، فَقَال جَلّ ثَنَاؤه لَهم: اسْتَبِقُوا أيّها الْمُؤمِنُون إلى العَمَل بِطَاعَة رَبِّكم، ولُزُوم مَا هَدَاكم لَه مِنْ قِبْلَة إبْراهيم خَلِيله وشَرَائع دِينِه، فإنَّ الله تَعالى ذِكْرُه يَأتي بِكُمْ وبِمَن خَالَفَ قَبْلَكُم ودِينَكُم وشَرِيعَتَكُم جَمِيعًا يَوْم القِيَامَة، مِنْ حَيث كُنْتُمْ مِنْ