منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
في حِين اقْتَصَر ابن كَثير في تَفْسِير "آل عمران" عَلى بَيَان الْمَعْنَى إلَّا أنّه وَقَف مَع الإشْكَال في تَفْسِير سُورَة مَرْيم، حَيْث قَال في قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): هذا تَعَجُّب مِنْ زَكَرِيَّا ﵇ حِين أُجِيب إلى مَا سَأل، وبُشِّرَ بِالوَلَد، فَفَرِح فَرَحًا شَدِيدًا، وسَأل عَنْ كَيْفِيَّة مَا يُولَد لَه، والوَجْه الذي يَأتيه مِنْه الوَلَد، مَع أنَّ امْرَأته كَانَتْ عَاقِرًا لَم تَلِد مِنْ أوَّل عُمُرها مَع كِبَرِها، ومَع أنَّه قَدْ كَبُر وَعَتَا - أي عَسَا (١) عَظْمُه ونَحُل، ولَم يَبْق فِيه لِقَاح ولا جِمَاع (٢).
وقال الثعالبي في تَفْسِير قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ): الآيَة.
ذَهَبَ الطَّبَري وغَيره إلى أنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا رَأى حَال نَفْسِه وحَال امْرَأته وأنّها لَيْسَت بِحَالِ نَسْل، سَأل عَنْ الوَجْه الذي بِه يَكُون الغُلام؛ أتُبَدَّل الْمَرْأة خِلْقَتها؟ أمْ كَيف يَكُون؟ قال ع (٣): وهذا تَأويل حَسَن لائق بِزَكَرِيَّا ﵇: و (أَنَّى) مَعْنَاهَا: كَيْف، ومِن أيْن؟ وحَسن في الآيَة (بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) مِنْ حَيْث هِي عِبَارَة وَاهِن مُنْفَعِل (٤).
واخْتَصَر القاسمي الْجَوَاب، فَقَال في قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): أي: حَالَة لا سَبِيل إلى إصْلاحِها ومُدَاوَاتِها. وقِيل: إلى رِيَاضَتِه (٥).