منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
ومَا اعْتَمَده "عبد الله البَرَّاك" في تحقيق كِتَاب "العُلُو" (١) أنَّ القرطبي يَمِيل إلى مَذْهَب الأشَاعِرَة في كَثير مِنْ مَسَائل الاعْتِقَاد، إذْ يُثبِت عُلُوّ القَدْر والقَهْر، لا عُلُوّ الذَّات .... ورَبَط البَرَّاك بَيْن صِفَة العُلُو وبَيْن صِفَة الاسْتِواء، إذ يَقُول عن القرطبي: وقال عَنْ العُلُو - وهو وثيق الصِّلَة بالاسْتِوَاء -: فَعُلُوّ الله تَعَالَى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُوّ مَجْده، وصِفَاتِه، ومَلَكوتِه - ليس دَقيقا، لِكون القرطبي مُضطرِبًا في بعض مسائل الاعتقاد.
وكُنتُ قَدِيما سَألْتُ شَيْخَنا عبد الكريم الْخضير عن عَقِيدَة القُرْطُبِيّ، وأنه ليس مُتَأوِّلًا بإطلاق، فقال: هو مُضْطَرِب في العَقِيدَة.
وقال شيخنا زيد بن عمر عن الْمَدْرَسَة الأنْدَلُسِيَّة في التَّفْسِير: ويُمكِنُنا القَوْل بأنَّ رأي الْمَدْرَسَة مِنْ صِفَات الأفْعَال كان مُضْطَرِبًا (٢).
فَعَلَى هذا لا يَصِحّ أن يُصَنَّف القرطبي على أنه مُسَايِر لأهل التَّأوِيل.
والإنْصَاف يَقْتَضِي أن يُثبَت ما أثْبَتَه مُوَافِقًا للسَّلَف فيه، ويُبَيَّن مَا وَقَع في تَأوِيلِه.
كَمَا أثْبَت القرطبي رُؤية الْمُؤمِنِين لِربِّهم يَوْم القِيَامَة، وسَيَأتي تَفْصِيل هَذه الْمَسْألَة في الفَصْل الثَّالث.
وأثْبَت صِفَة "الْمَكْر" مُسْتَدِلًّا بِقَولِه ﵊: "وامْكُر لي ولا تَمْكُر عليّ" (٣)، إذ يَقُول: فَعَلَى هَذا جَائز أن يُقال: يَا خَيْر الْمَاكِرِين امْكُر لِي ولا تَمْكُر عليّ (٤).