Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٢٣٢

بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ). فَقال ﵊: ثَلاث مَوَاطِن تَذْهَل فِيها كُلّ نَفْس: حِين يُرمَى إلى كُلّ إنْسَان كِتَابه، وعِنْد الْمَوَازِين، وعَلى جِسْر جَهَنَّم (١).

وَرَدًّا عَلى الْمَلاحِدَة الذين طَعَنُوا في القُرْآن، وزَعَمُوا فِيه التَّنَاقُض بَيْن هَذه الآيَات فَقَال في الْجَمْع بَينها: مِنْ وُجُوه (٢):

أحَدها: أنَّ يَوْم القِيَامة مِقْدَاره خَمْسُون ألْفَ سَنَة، فَفِيه أزْمِنَة وأحْوَال مُخْتَلِفَة، فَيَتَعَارَفُون ويَتَسَاءَلُون في بَعْضِها، ويَتَحَيَّرون في بَعْضِها لِشِدَّة الفَزَع.

وثَانِيها: أنه إذا نُفِخَ في الصُّور نَفْخَة وَاحِدَة شُغِلُوا بأنْفُسِهم عَنْ التَّسَاؤل، فَإذا نُفِخَ فيه أُخْرَى أقْبَل بَعْضُهم عَلى بَعْض، وقَالُوا: (يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) [يس: ٥٢].

وثَالِثها: الْمُرَاد: لا يَتَسَاءَلُون بِحُقُوق النَّسَب.

ورَابِعها: أنَّ قَوله: (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، صِفَة للكُفَّار، وذَلك لِشِدَّة خَوْفِهم. أمَّا قوله: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، فهو صِفة أهْل الْجَنَّة إذا دَخَلُوها (٣).

واخْتَار ابن جُزيّ أنَّ مَعْنَى الآيَة (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ): أنه يَنْقَطِع يَومئِذٍ التَّعَاطُف والشَّفَقَة التي بَيْن القَرَابَة؛ لاشْتِغَال كُلّ أحَدٍ بِنَفْسِه، كَقَولِه: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عبس: ٣٤، ٣٥]، فَتَكُون الأنْسَاب كَأنّها مَعْدُومَة.

(وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، أي: لا يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا، لاشْتِغَال كُلّ أحَدٍ بِنَفْسِه.

ثم أوْرَد سُؤالًا قال فيه: