منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)، فَفِي هَذا دَلالَة عَلى أنه تَعالى ابْتَدَأ بِخَلْق الأرْض أوَّلًا ثم خَلَق السَّمَاوات سَبْعًا، وهَذا شَأن البِنَاء أنْ يُبْدَأ بِعِمَارَة أسَافِلِه ثم أعَالِيه بَعْد ذَلك، وقد صَرَّح الْمُفَسِّرُون بِذلك ....
فأمَّا قَوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)، فَقَد قِيل إنَّ (ثُمَّ) (١) هاهنا إنما هِي لِعَطْف الْخَبَر عَلى الْخَبَر، لا لِعَطْف الفِعْل عَلى الفِعْل، كما قال الشاعر:
قُلْ لِمَنْ سَاد ثُمّ سَادَ أبُوه ثم قَدْ سَاد قَبل ذلك جَدّه
وقيل: إن الدَّحْي كَان بَعْد خَلْق السَّمَاوات والأرْض (٢).
وقَال أيضًا في الْجَمْع بين آية "البقرة" وآيات "فُصِّلت": فَهَذِه وهَذه دَالَّتَان على أنَّ الأرْض خُلِقَت قَبْل السَّمَاء، وهَذا مَا لا أعْلَم فِيه نِزَاعًا بَيْن العُلَمَاء، إلَّا مَا نَقَلَه ابن جَرير عن قَتادة أنه زَعَم أنَّ السَّمَاء خُلِقَت قَبْل الأرْض، وقَد تَوقّف في ذلك القُرْطُبي (٣) في تَفْسِيره لِقوله تَعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا).
قَالوا: فَذَكَر خَلْقَ السَّمَاء قَبْل الأرْض.