منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
عن مِثْله حَسَن الْحَدِيث، فَضْلًا عن أحْسَنه، فإنَّ القُرآن نَزَل في نَيِّف وعِشْرِين سَنَة، في أحْكَام مُختلِفَة، ومَا كان كَذلك لا يَتَأتّى رَبْط بَعْضِه بِبَعْض" (١).
وقال الشيخ وليّ الدين الملوي: قَدْ وَهِم مَنْ قَال: لا يُطلَب للآية الكَرِيمة مُناسَبَة؛ لأنها على حَسَب الوَقَائع الْمُتَفَرِّقَة، وفَصْل الْخِطَاب أنها على حَسَب الوَقَائع تَنْزِيلًا، وعلى حَسَب الْحِكْمَة تَرْتِيبًا وتَأصِيلًا (٢).
وتقدَّم في الْمَبْحَث السَّابِق أنَّ مِنْ أسْبَاب التَّقْدِيم والتَّأخِر: الْمُنَاسَبَة؛ وهي إمَّا مُنَاسَبة الْمُتَقَدِّم لِسِيَاق الكَلام، وإمَّا مُنَاسَبة لَفْظ هُو مِنْ التَّقَدُّم أوْ التَّأخُّر (٣).
والذي يَظْهَر أنه يُقْصَد بـ (الْمُنَاسَبَة) أمْرَان:
الأول: مُناسَبة الآي والسُّوَر، وهو ما يُعَبَّر عنه - أحيانًا - بـ (التَّنَاسُب) (٤).
الثاني: مُناسَبة ذلك اللَّفْظ، أوْ تِلك العِبَارة لِذَلك الْمَوْضِع دُون غيره (٥)، وهو مَا يَعْنِي البَاحِث في هَذا الْمَبْحَث.
وقد يُتوَهَّم التَّعَارُض بِسَبَب اخْتِلاف الْمُنَاسَبة، وقد أشْكَلَتْ مَواضِع منها على بَعْض التَّابِعين - كما سَيأتي في هَذا الْمَبْحَث -.