منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
قَالوا: فَمَعْنَى قَوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) أي: قَابِضُك مِنْ الأرْض حَيًّا إلى جِوارِي، وآخِذُك إلى مَا عِنْدِي بِغَير مَوت، ورَافِعُك مِنْ بَين الْمُشْرِكِين وأهْل الكُفْرِ بك.
وقَول آخَرين: مَعْنَى ذلك: إنِّي مُتَوفِّيك وَفَاة مَوْت.
وقَول آخَرِين: مَعْنَى ذلك: إذْ قَال الله يا عِيسى إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرُك مِنْ الذين كَفَرُوا، ومُتَوَفِّيك بَعد إنْزَالي إيّاك إلى الدُّنْيا.
وقَالوا: هَذا مِنْ الْمُقَدَّم الذي مَعْناه التَّأخِير، والْمُؤخَّر الذي مَعْناه التَّقْدِيم.
ثم ذَكَر ابن جرير القَول الرَّاجِح عنده، فقال:
وأوْلى هذه الأقْوال بالصِّحَّة عِنْدَنا قَول مَنْ قَال: مَعْنَى ذلك: إني قَابِضُك مِنْ الأرْض ورَافِعُك إليَّ؛ لِتَواتُر الأخْبَار (١) عن رَسول الله ﷺ أنه قَال: يَنْزِل عِسى ابن مَريم فيَقتُلُ الدَّجَّال، ثم يَمْكُث في الأرْض مُدَّة - ذَكَرَها، اخْتَلَفَتِ الرِّواية في مَبْلَغِها - ثم يَمُوت، فيُصَلِّي عليه الْمُسْلِمُون ويَدْفُنُونَه (٢).
وممن قال بالتقديم والتأخير: أبو الليث السمرقندي، فإنه قال: قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه: إني رافعك من الدنيا إلى السماء ومتوفيك بعد أن تَنْزِل من السماء على عهد الدجال (٣).