Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٢/ ٢٤٠

في هذه الأحاديث: بيان أن النبي ﷺ بشر، ليس برب، ولا إله يعبد، بل هو بشر يصيبه ما يصيب البشر، كالنسيان والأمراض وغيرها، أما الرب ﷾ فلا ينسى، كما قال الله: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾، والله تعالى منزه لا يلحقه النسيان؛ لأنه كامل، ولا يحتاج إلى شيء، ولا يحتاج إلى أحد، فهو غني عن العالمين ﷾، بخلاف الرسول ﷺ؛ فإنه عبد، يأكل ويشرب، لكنه نبي كريم، يطاع ويتبع، ولا يعبد فالعبادة حق الله؛ ولهذا قال: ((وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي))، وقال الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾.

وهذا من رحمة الله تعالى بعباده: أن جعل نبيه ينسى؛ حتى يكون فعله تشريعًا للأمة؛ ليعلمهم ماذا يعملون إذا حصل لهم النسيان.

وقوله: ((فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ)) هذا إذا كان عنده غلبة ظن، فيبني على غلبة الظن، ويتحرى الصواب، وفي رواية النسائي: ((فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ)) (١)؛ فإنه يبني على غلبة الظن، ويتم الصلاة، ثُمَّ يسلم، ثُمَّ يسجد سجدتين، ثُمَّ يسلم، بخلاف حديث أبي سعيد ﵁ الذي سبق فيما إذا كان عنده شك، ولم يكن عنده غلبة ظن؛ فيبني على اليقين، وهو الأقل، ويكون السجود قبل السلام.

وفيه: دليل لمن يقول: إنه يعمل بغلبة الظن، ولا يبني على اليقين في هذه الحالة وهو الأقل، فيكون الجمع بينه وبين الحديث السابق أنه يعمل باليقين- وهو الأقل- إذا كان عنده شكٌ، فإن كان عنده غلبة ظن عمل به، ثُمَّ يسجد سجدتين بعد أن يسلم، كما في رواية النسائي، وهذا هو الصواب.